السيد عبد الأعلى السبزواري
340
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وسببا لنزولها ، وسيأتي في البحث الروائي الكلام عنه . قوله تعالى : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ . مادة ( ع د و ) تأتي بمعنى التجاوز عن الحد المعين في الشيء ، وللتجاوز موارد كثيرة ، فإذا كان التجاوز في الميل القلبي يطلق عليه العداوة والمعاداة ، وفي الاقتصار في المشي يطلق عليه العدو ، وفي المرض يطلق عليه العدوي وفي المعاملات والمجاملات يطلق عليه العدوان والتعدي والاعتداء ، إلى غير ذلك من موارد استعمالاته في المحاورات . وقد ذكرت هذه المادة في القرآن الكريم بجملة كثيرة من متفرعاتها ، وهي بالمعنى الحقيقي ممتنعة بالنسبة إليه عزّ وجل ، إذ لا يعقل التجاوز بالنسبة إلى من هو غير متناه من حيث القدرة والغلبة والقهارية . نعم يصح بالمعنى الاعتقادي ، وهو يرجع إلى مخالفته في الإعتقاد والعمل . هذا وإن أرجعنا عداوته إلى عداوة أنبيائه وأوليائه يصح بالمعنى الحقيقي أيضا ، وكذلك إن أرجعناها إلى عقابه . وإنّما أضاف سبحانه وتعالى العداوة إلى نفسه تشريفا لملائكته ورسله وأوليائه ، وفي الحديث : « من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة » وقد وردت آيات وروايات دالة على حسن مخالطته تعالى مع عباده على ما يأتي تفصيلها إن شاء اللّه تعالى ، وليس المراد بالمخالطة ما هو المنساق من ظاهر اللفظ ، بل ما قاله علي ( عليه السلام ) : « داخل لا بالمجانسة ، وخارج لا بالمباينة ، فبينونته تعالى بينونة صفة لا بينونة عزلة » . كما أنّ في ذكر نفسه أولا ثم الملائكة والرسل إشعارا بعدم الفرق في هذه العداوة بينه تعالى وبينهم ، لأنهم مظاهر آياته وأولياء خلقه ووسائط فيضه . قوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ . تقدم وجه اشتقاقهما . واتفق جميع الفلاسفة على أنّ الملائكة ذوات مجردة ليست من الماديات إلّا أنّ فلاسفة المسلمين ذكروا أنّها جواهر مجردة ، والمتكلمون منهم يقولون : إنّها أجسام لطيفة لعدم ثبوت الجواهر المجردة عندهم . وشبهوا الأجسام