السيد عبد الأعلى السبزواري

334

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا . أي إنّهم أحرص النّاس على الحياة حتّى من المشركين الذين ينكرون المعاد والحياة بعد الموت سواء كانوا من مشركي العرب أو غيرهم . وإنما خصهم بالذكر لأنّهم لا يعرفون غير الحياة الدنيا ، ولا علم لهم بالبعث والحساب كما حكى اللّه تعالى عن قولهم : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [ سورة المؤمنون ، الآية : 37 ] . فما عن بعض المفسرين من أن المراد بها المشركون الذين جرت عادتهم على الدعاء للعاطس بقولهم : « عش الف سنة » إنما يكون من باب التطبيق لا التخصيص . قوله تعالى : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ . مادة ( ود د ) تستعمل بمعنى المحبة ، وتطلق على اللّه تعالى حينئذ قال عزّ وجل : وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [ سورة البروج ، الآية : 14 ] ، وتستعمل بمعنى التمني وهو كثير في القرآن الكريم ومنه المقام . ومادة ( ع م ر ) - بسكون الميم أو ضمها . أو فتح العين وسكون الميم ، وإن كان هذا الأخير يختص بالقسم قال تعالى : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [ سورة الحجر ، الآية : 72 ] . مأخوذة من العمارة أي عمارة البدن في الحياة الدنيا ، أو عمارة الدنيا للكون فيها ، أو عمارة الآخرة للارتحال إليها ، أو عمارة الجميع وهي أفضلها . أي : يتمنى كل واحد منهم أن يعمّر في الحياة الدنيا ألف سنة أو أكثر ، لأنه يعلم أن البقاء في الدنيا مع الآلام والمشاق خير له من الآخرة فإن فيها العذاب . ولكنه لا يعقل أن هذه المدة القليلة المحدودة لا تنفعه ولا تدفع عنه العذاب ، إذ لا بد من الإيمان والعمل الصالح . وإنما عبّر تعالى بألف سنة إما لأجل أنه مثال لكثرة العمر كما أن لفظ سبعين كان مثالا للكثرة في العشرات مثل قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ سورة التوبة ، الآية : 80 ] ، أو لأجل أنه نوع تقبيح لهم في مبالغاتهم ومقترحاتهم