السيد عبد الأعلى السبزواري

335

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الدائرة بينهم ، أو لأن الألف آخر أسماء مراتب الأعداد . والسنة : مأخوذة من سنه كما عن بعض ، وعن آخرين أنها مأخوذة من سنو بالواو بقرينة سنوات ، والظاهر أن هذا خلط بين هاء السكت ومادة أصل الكلمة كما يظهر للمتأمل في استعمالات هذا اللفظ ، فلا فرق بين الاستعمالين . قوله تعالى : وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ . الزحزحة : الإزالة عن المقر ، والتنحية عنه ، وفي الحديث : « من صام يوما في سبيل اللّه زحزح اللّه وجهه عن النار سبعين خريفا » . أي : ليس طول العمر من حيث هو موجبا للخروج عن العذاب بل المناط كله إنما هو العمل الصالح واكتساب الحسنات وترك السيئات . وإنما كرر تعالى كلمة « أن يعمر » ولم يأت بالضمير لبيان أن مقصوده الأهم وقوع طول العمر خارجا ، لا مجرد تمني ذلك ولو أتى بالضمير لم يكن ظاهرا فيه . قوله تعالى : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ . المراد بالبصر عند الإطلاق عليه عزّ وجل العلم ، وإنما خصه بالذكر ، لبيان كمال الإحاطة بالدقائق التي لا تدرك إلّا بالبصر . وفيه تهديد عجيب وتوعيد غريب لمن هو غافل عن السعادة الأبدية ، ولا يتحفظ على عمره ولا يصرفه إلّا في ما لا يرتضيه تعالى ، فإن الإنسان إنما خلق في الدنيا لكي يعيش فيها برهة من الزمن ثم يغادرها إلى دار أخرى هي مقر له فيحصد ما عمله مدة حياته في الدنيا ، فإما أن تكون الدار الآخرة هي دار الراحة والسكون والسعادة ، أو تكون دار الشقاء والعذاب ، فما يحصله الإنسان من خلقه إنما يكون في عمره ، فلا بد وأن يبذله في تحصيل السعادة الأبدية ولا يصرف هذه الجوهرة الثمينة في ما لا فائدة فيه ، أو تكون الفائدة منحصرة بالدنيا الفانية . ونعم ما نسب إلى علي ( عليه السلام ) : « بقية عمر المؤمن لا قيمة لها ، يدرك بها ما فات ويحيي بها ما أمات » فيكون محبته للحياة لأجل أن يدفع عن نفسه موجبات الشقاوة ويكتسب فيها أسباب السعادة