السيد عبد الأعلى السبزواري
322
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم » والمعنى : يستنصرون بمحمد ( صلّى اللّه عليه وآله ) وشريعته على المشركين ، ويأملون لأن يستظهروا به على من سواهم من المشركين . قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ . أي : فلما جاءهم ما كانوا قد عرفوه من أمر النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) ورسالته وقرآنه جحدوا به ، حسدا منهم واستكبارا ، فكان جزاؤهم أن كتب اللّه عليهم اللعن والطرد من رحمته . وكفرهم هذا من كفر الجحود - ككفر إبليس - الذي هو من أشد أنواع الكفر . ولا يختص حكم هذه الآية المباركة باليهود بل يشمل كل من أنعم اللّه عليه ثم أنكرها ولو بعدم أداء شكرها ، ويأتي في قوله تعالى : يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها [ سورة النحل ، الآية : 83 ] ما ينفع المقام . وفي تكرار قوله تعالى : لَمَّا جاءَهُمْ تأكيد للذنب وتهويل له . قوله تعالى : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ . بئس كلمة تستعمل في جميع أنحاء الذم ، كما أن نعم كلمة تستعمل في جميع أنحاء المدح . و « ما » نكرة مبهمة بمعنى مطلق الشيء أي بئس شيء اشتروا ، ويجوز أن تكون موصولة أي بئس الذي اشتروا به . والشراء والاشتراء بمعنى واحد ، ويستعمل كل منهما في البيع والشراء ، ويأتي بمعنى مطلق المبادلة . أي : بئس ما فعلوه من تبديل النفس التي من حقها أن تقابل بالإيمان ، والمعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة ، والأعمال الصالحة لتكون لها السعادة في الدارين ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ سورة التوبة ، الآية : 111 ] ولكنهم بدلوها باختيارهم بأخس الأمور وذمائم الأخلاق والكفر بما أنزل اللّه تعالى حسدا منهم واستكبارا ، فجلبوا لأنفسهم شقاوة الدارين ، وهذا حال من أعرض عن اللّه تعالى . وفي الآية المباركة تسفيه لأحلامهم ، وتوبيخ لهم . قوله تعالى : بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ . البغي هنا هو الفساد . ويتضمن معنى التجاوز عن الحد والطلب ،