السيد عبد الأعلى السبزواري
309
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
بشكره تعالى فقال جل شأنه أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ سورة لقمان ، الآية : 14 ] . والتربية تارة : تكون جسمانية وهي التي يقوم بها الوالدان ، ويتم بقاء النوع الإنساني بها . وأخرى : تربية معنوية وهي التي بها تقوم الحياة الأبدية ، ويقوم بها الأنبياء والأولياء والعلماء ، ولا ريب في أفضلية الثانية من الأولى وأهميتها . وإنما اطلق تعالى الإحسان إلى الوالدين ، لأنه مما يختلف باختلاف الاعصار والأمصار والحالات كما هو معلوم ، ويتم الإحسان إليهما بمعاشرتهما بالمعروف ، ورعايتهما ، وامتثال أوامرهما والتواضع لهما . وكيف كان فأفعال الإنسان بالنسبة إليهما على أقسام ثلاثة : الأول ما أدرك أنه حسن ، والثاني ما أدرك أنه سيئ ، والثالث ما تردد في أنه من الحسن أو السيئ ، ويصح الأول بالنسبة إلى الوالدين ، ولا يجوز الثاني ، وفي الأخير تفصيل يطلب من الفقه . قوله تعالى : وَذِي الْقُرْبى . القربى هي القرابة أي : امرناهم بالإحسان إلى القرابة وهو مما تحكم به الفطرة أيضا ، لأن بحفظ القرابة يتحقق نظام الأسرة ، والاجتماع الذي هو من أهم مقاصد النوع الإنساني فالإحسان إليها يقوي أواصر تلك القرابة ويصلحها . قوله تعالى : وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ . اليتم هو الانفراد ومنه قولهم درة يتيمة ، وقول الصادق ( عليه السلام ) : « واللّه نحن اليتامى » واليتيم في الإنسان من فقد الأب ، وفي البهايم من فقد الأم ، وفي الطيور فيهما . وتقدم معنى المسكين وهو من أسكنته الحاجة ، وأطلق سبحانه وتعالى الإحسان إليهم ، لما مر آنفا في الإحسان إلى الوالدين ، وسيأتي تفصيل ذلك في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً . التفات في الكلام وعدول في الخطاب لأهمية المورد بعد أن أمر سبحانه وتعالى بالإحسان إلى أفراد مخصوصين - وهم الوالدان والأقربون ، واليتامى والمساكين - أكد ذلك بحسن