السيد عبد الأعلى السبزواري

310

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

المعاشرة والقول الجميل وكل ما هو حسن للناس ولا بد من تقييد ذلك بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو اجمع كلمة لحفظ النظام ، وأحسن ما يجلب به قلوب الأنام ، فعن أبي جعفر ( عليه السلام ) : « قولوا للنّاس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم » وسيأتي في البحث الروائي ما يتعلق به أيضا . وهذه المواثيق لم تكن تختص بطائفة خاصة بل هي أمور فطرية حكم بحسنها العقل وحث عليها الشرع ، فلو عمل بها النّاس لعمت الإلفة وزالت البغضاء والتنافر بينهم ، وانقاد الكل للكل ، واضمحل العدوان بين أفراد الإنسان ، وبلغ المجتمع الإنساني إلى ذروة المجد والشرف ، ولكنهم عمدوا إلى الشقاق والنفاق فتولوا عن الحق إعراضا فصاروا لما لا يتوقعون أغراضا . قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ . بيّن سبحانه وتعالى معنى العبادة التي تقدمت في صدر الآية المباركة ليبطل جل شأنه افتعال المفتعلين لأن العبادة لا بد أن تستند بجميع خصوصياتها إلى الشارع . والإقامة - كما تقدم - المواظبة على إتيان الصّلاة تامة الأجزاء وجامعة للشرائط ، وهي أقوى صلة بين اللّه تعالى وعباده ، ومن أهم السبل في إصلاح النفس ، لما تشتمل على الإخلاص للّه تعالى ، والخشوع لعظمته . كما أن الزكاة أقوى صلة بين الأغنياء والفقراء ثم بينهم وبين اللّه تعالى ، ففيها إصلاح المجتمع . والزكاة أيضا من الأمور العبادية فلا بد أن تستند خصوصياتها إلى الشرع ، وإن كان مطلق الصدقة محبوب بالفطرة لدى الأمم . قوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ . بيان لما وقع منهم من عدم الوفاء بالميثاق ومعارضتهم له بالنفاق . والتولي هو الإعراض والمعروف انه إذا عدّي بنفسه يكون بمعنى الولاية والمحبة والإقبال وإذا عدّي بعن كان بمعنى الإعراض والإدبار ، والقرينة في المقام على الثاني : « وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ » . وغالبا ما استعمل لفظ التولي في القرآن الكريم إلّا وعقّب بالإعراض مبالغة في الترك والتولي ، وقد كان لتوليهم مظاهر مختلفة ذكر سبحانه وتعالى جملة منها في الآيات المتقدمة وسيأتي في الآيات اللاحقة بعضها الآخر .