السيد عبد الأعلى السبزواري
308
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
لئلا يتأثر من لجاجهم وانكارهم ، فإنهم جبلوا على ذلك . التفسير قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ . الأخذ : الاستيلاء والتحصيل والحيازة ، وقد استعملت هذه المادة في القرآن الكريم بهيئات كثيرة جدا بالنسبة إليه تعالى وإلى خلقه ، وكذا في السنة المقدسة فعن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « على اليد ما أخذت حتّى تؤدي » . وتقدم معنى الميثاق وهو العهد المؤكد والعقد المستحكم . والموثوق به في الآيات المباركة أمور كلها مما يستقل العقل بحسنها ، واجتمعت الشرايع السماوية عليها . والمعنى : اذكر أيها الرسول ما أخذناه من المواثيق عليهم ، وقد بيّن سبحانه وتعالى هذه المواثيق بما يأتي . قوله تعالى : لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ . جملة خبرية في مقام الإنشاء وهذا أبلغ في الطلب وآكد أي : اعبدوا اللّه وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [ سورة النساء ، الآية : 36 ] وهو غاية كمال العقل وأولى درجة الرقي إلى المقامات العالية التي لا حد لها ولا نهاية . قوله تعالى : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . أي أمرناهم بالإحسان إلى الوالدين ، وهو حكم حسن يحكم به ذوو العقول لو لم يحكم بحسنه كل ذي شعور ؛ وقد قرن سبحانه وتعالى الوالدين بالتوحيد في هذه الآية المباركة ، وفي جملة من الآيات قال تعالى : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ سورة الأنعام ، الآية : 151 ] ، وقال جلّ شأنه : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ سورة الإسراء ، الآية : 23 ] . وذلك ، لأن النشأة الأولى أو الخلق وإن كان من اللّه تعالى ولكن دوام بقاء عالم الإنسانية بالوالدين ، كما أن منشأ التربية الحقيقية من اللّه تعالى ، لأنه الرب على الإطلاق وجميع ما سواه مربوب له ، ثم بعد ذلك في النظام الأحسن تكون التربية من جهة الوالدين ، ولذا قرن الشكر لهما