السيد عبد الأعلى السبزواري

299

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

شأنه : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [ سورة الأنعام ، الآية : 3 ] . وأخرى : علقه على ذات الألوهية ، فقال تعالى : لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [ سورة النحل ، الآية : 23 ] ويأتي شرح ذلك في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ . الأمي من لا يكتب ولا يقرأ وهو صفة ذم ، وقد تكون من صفات المدح كما في نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) فإنه كان أميا ولكن علمه اللّه تعالى من لدنه جميع المعارف وجهات التشريع . والأماني جمع أمنية : وهي التصورات التي لا حقيقة لها ولا واقع وإن ظن أن لها واقعا وحقيقة . وهذه الجملة تحتمل معنيين : الأول : أن كتاب اللّه تعالى يشتمل على أشياء لا حقيقة لها بزعمهم ويشهد له قوله تعالى : وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ سورة الفرقان ، الآية : 5 ] . الثاني : أن يكون المراد أنه لاحظ لهم من معنى الكتاب ومراد كلامه تعالى ، وهمهم إنما يكون في غير ذلك . وإنما عبر بالأمنية لأنه لا يتجاوز الوهم والخيال الذي هو أنزل العوالم ولا يمكن أن يصل إلى مراده تعالى الذي هو من عالم الغيب ، فيكون من أدلة النهي عن تفسير كلام اللّه بالرأي . وتأتي بمعنى القراءة أيضا أي لا يعلمون الكتاب إلّا قراءة اللفظ من دون التعدي إلى فهم المعنى الحقيقي . وهؤلاء هم الفريق الثاني من اليهود الذين لاحظ لهم من الكتاب إلّا الأكاذيب والمفتعلات ، وهم المأوّلون لكتاب اللّه على طبق آرائهم وأمنياتهم التي ليس لها أصل صحيح . وأما الفريق الأول فهم المحرفون لكتاب اللّه تعالى . قوله تعالى : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ . المراد بالظن الوهم أي ليس حظهم من الكتاب إلّا ما يتوهمونه من الأغراض الفاسدة كما يأتي في ذيل الآية المباركة . قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ