السيد عبد الأعلى السبزواري

300

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

عِنْدِ اللَّهِ . ذكر سبحانه وتعالى فريقين من اليهود وهم المحرفون لكتاب اللّه تعالى ، والمأوّلون له . وبقي قسم ثالث وهم المفترون على اللّه تعالى . الويل : لفظ جامد لا تثنية فيه ولا جمع . والويلات جمع ويلة لا الويل . ومعناه شدة الشر والحزن والعذاب والهلكة ، وقد استعمل هذا اللفظ في القرآن الكريم في ما يقرب من أربعين موضعا كلها مقرونة بما يدل على الذم والحزن والمكروه ، وعن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « إن الويل واد في جهنم بين الجبلين » وهذا من باب التطبيق لا بيان المعنى الحقيقي . وقد كرر اللفظ في المقام ثلاث مرات لشدة عظم المعصية وتغليظا لفعلهم وهو كذلك عقلا ، فإن الافتعال والجعل من غير من له حق الجعل فعل شنيع وفيه خطر عظيم فأفعال هذه الفرق الثلاث وهم : المحرفون ، والمأولون ، والمفترون ، فيها قبح عقلي وكل ذلك داخل في الظلم الذي يحكم بقبحه العقل فلا اختصاص له بقوم دون آخرين . وإنّما أضاف اللّه تعالى الكتابة إلى اليد مع أنها لا تكون إلّا بها تبيينا للموضوع كما في قوله تعالى : وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [ سورة يس ، الآية : 35 ] وفي المحاورات : « رأيته بعيني » و « سمعته باذني » . وإشارة إلى تحقير الموضوع يعني أن ما يفعل باليد لا يليق أن ينسب إلى اللّه تعالى فإن ما عنده ليس إلّا الحقائق الواقعية التي تجل عن تدخل القوى الإمكانية فيها . ويمكن أن يكون فيه إيماء إلى إيكال الأمر إلى أنفسهم اي : أنه مع أنكم تعلمون أنه من مفتعلات أنفسكم كيف تنسبونه إلى اللّه تعالى . ويراد من الكتاب الذي كتبته أيديهم الأعم مما كتبوه قبل بعثة نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) أو حينها أو بعدها ، ومن ذلك ما روي أن أحبارهم عمدوا إلى التوراة وحرفوا ما ورد في صفة النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) وسيأتي في البحث الروائي ما ينفع المقام . قوله تعالى : لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا . ليس المراد بالاشتراء خصوص الشراء مقابل سائر النقل والانتقال بل المراد به التبديل ، ووصف سبحانه وتعالى الثمن بالقلة إما لأجل فنائه وإن كان كثيرا أو لأجل أن الحق لا يقابل بأي ثمن