السيد عبد الأعلى السبزواري
284
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى . أي : كما أنه أحيى المقتول بعد موته كذلك يحيي كل ميت . وهذا من تنظير الكلي المعقول على الجزئي المحسوس ، وإثبات للمدعى الكلي بإحساس بعض جزئياته ، إذ الكليات إنما تستكشف عند عامة النّاس من الجزئيات ، ولذا اشتهر « من فقد حسا فقد علما » . قوله تعالى : وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . أي : أنه فعل ذلك من الاحياء بعد الإماتة ، وما ترتب على ذلك من فصل الخصومة وإظهار القاتل لعلكم تفقهون وتدركون أنّ اللّه تعالى قادر على إحياء مطلق الأموات حيوانا كان أو نباتا كما قال تعالى : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ سورة الحديد ، الآية : 17 ] فتدبروا في آيات اللّه تعالى فاعتبروا بها وامنعوا أنفسكم من العصيان ، واتباع الأهواء والشهوات . قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ القسوة الصلابة والشدة والرداءة والغلظة ، ولم تستعمل في القرآن الكريم غالبا إلّا مضافة إلى القلب ، فيكون المعنى الغلظة والصلابة عما من شأنه أن يكون رقيقا ، قال تعالى : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ سورة الزمر ، الآية : 22 ] . وقسوة القلب من أشد الأمراض النفسية الروحية بل أصلها وأمها ، فعن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه ، فإن كثرة الكلام لغير ذكر اللّه تقسي القلب ، وإنّ أبعد الناس من اللّه القلب القاسي » ، والقلب المتصف بالقساوة كمرآة عليها حجاب غليظ لا يرى فيها صورة أصلا ، وسيأتي تفصيل المقال فيه إن شاء اللّه تعالى . وقوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي : من بعد أن رأيتم الآيات والمعجزات ودلائل التوحيد والرسالة وعرفتم الحق . قوله تعالى : فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً . كلمة « أو أشد » يصح أن تكون بمعنى التنويع أي : أن بعض القلوب كالحجارة وبعضها الآخر أشد منها ، أو باعتبار الحالات ففي بعض الحالات يكون القلب كالحجارة ، وفي بعضها الأخرى يكون أشد فحينئذ يصح الكلام بالنسبة إلى المتكلم والسامع .