السيد عبد الأعلى السبزواري
285
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
كما يجوز أن تكون بمعنى الترديد ، أو بمعنى بل ، والكلام حينئذ سيق مساق فهم السامع . قوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . الأنهار جمع نهر بسكون الهاء وفتحه كما في قوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [ سورة القمر ، الآية : 54 ] والفتح أفصح ، ولذا لم يستعمل في القرآن مفرد الأنهار إلّا مفتوحة العين ، ولم يرد بسكونها فيه . وتقدم معنى الانفجار في قوله تعالى : فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [ سورة البقرة ، الآية : 60 ] و « يشقق » أصله ( يتشقق ) أدغمت التاء في الشين . ذكر سبحانه وتعالى أنّ الحجارة ينفجر منها الأنهار كالعيون في الجبال فتعود منفعته على الحيوان والنبات . وأن بعض الحجارة يتشقق فيخرج منها الماء ، كالأحجار التي ينبع منها الماء قليلا كان أو كثيرا ، وأن منها لما يهبط من خشية اللّه تعالى ، لأن جميع الموجودات مسخرة تحت إرادته وقدرته عزّ وجل ، قال تعالى : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ سورة الجمعة ، الآية : 1 ] ، وقال تعالى : وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [ سورة الرعد ، الآية : 13 ] . والخشية هي الخوف ولكنها أعم منه موردا ، لاطلاقها على الجمادات أيضا ، وأخص منه مفهوما لأنها الخوف المشوب بالتعظيم ، بخلاف مطلق الخوف . وللخشية والخوف منه تعالى مراتب كثيرة جدا وبعض مراتبها يختص بالعلماء باللّه تعالى قال أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) في قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ : « يعني بذلك من يصدّق فعله قوله ، ومن لم يصدّق قوله فعله فليس بعالم وإن شق الشعر في المتشابهات » هذا بالنسبة إلى الفاعل المختار ، وأما بالنسبة إلى سائر الموجودات من الجماد والنبات والحيوان فحيث أن الخشية منه عزّ وجل من لوازم ربوبيته العظمى وقيمومته فتتصف جميع تلك الموجودات بالخشية منه تعالى ، قال جلّ شأنه : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ سورة