السيد عبد الأعلى السبزواري

283

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها . هذه الآية المباركة مقدمة معنى وإن تأخرت في اللفظ لما عرفت و « ادّارأتم » أصله تدارأتم أي : اختلفتم وتنازعتم ، فأدغمت الياء في الدال ، لأنهما من مخرج واحد ، وزيدت الف الوصل حذرا من الابتداء بالساكن كقوله تعالى : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها [ سورة الأعراف ، الآية : 38 ] ، وكذا قوله تعالى : إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ [ سورة التوبة ، الآية : 38 ] ، وقوله تعالى : وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [ سورة يس ، الآية : 49 ] . ومادة درأ تأتي بمعنى الدفع ، ومنه قوله تعالى : وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [ سورة القصص ، الآية : 54 ] ، وتأتي بمعنى الجلب والملائمة ، ومنه قول نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « رأس العقل بعد الإيمان باللّه مداراة الناس » ، وكذا قوله ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « أمرت بمداراة النّاس كما أمرت بأداء الفرائض » . ويمكن أن يكون من الدرء بمعنى الدفع أي : يدفع الإنسان عن أخيه ظلما يوجب التفرقة بينهما ويحمله على الإلفة والموافقة . ومعنى الآية المباركة : إنّ بعضكم قتل نفسا فتخاصمتم وتدافعتم في شأنه فصار كل واحد يدفع عن نفسه التهمة . وقد نسب القتل إلى اليهود في عصر النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) لأنهم من نسلهم ، وتصح في المحاورات النسبة إلى اللاحقين بفعل السابقين . قوله تعالى : وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ . أي : أنه تعالى يظهر جميع ما تكتمونه من أسراركم وتهمة بعضكم لبعض . قوله تعالى : فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها . يعني : اضربوا المقتول ببعض البقرة المذبوحة . ولم يعين سبحانه وتعالى هذا البعض فيكتفى بضرب أي جزء كان ، ولكن للمفسرين في تعيينه تفاصيل غير مستندة إلى مدرك صحيح ، ولا دليل صريح ، فالأولى الإغماض عن التعرض لها . وإنما أمرهم بالضرب من دون أن يضرب موسى ( عليه السلام ) بنفسه ، لأن الفعل إذ كان صادرا منهم فهو أبين لقطع النزاع كما يظهر من ذيل الآية الشريفة .