السيد عبد الأعلى السبزواري
192
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الدالة على أن الأكل كان من نفس الشجرة المنهي عنها ، كما تقدم . ( الثالثة ) : قوله : « وكان ذلك قبل النبوة » مخالف لإجماع أهل البيت والإمامية من عصمة الأنبياء مطلقا ، كما سيأتي في البحث الكلامي فلا بد من طرح الحديث . وعن أبي الصلت الهروي في الأمالي قال : « لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، والصابئين وسائر أهل المقالات ، فلم يقم أحد حتّى ألزم حجته كأنه ألقم حجرا ، فقام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له : يا ابن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) أتقول بعصمة الأنبياء ؟ قال : بلى . قال : فما تعمل بقول اللّه عزّ وجل : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى - إلى أن قال - فقال مولانا الرضا ( عليه السلام ) : ويحك يا علي اتق اللّه ، ولا تنسب إلى أنبياء اللّه الفواحش ، ولا تتأول كتاب اللّه عزّ وجل برأيك ، فإن اللّه عزّ وجل يقول : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ . أما قوله عزّ وجل في آدم : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى فإن اللّه عزّ وجل خلق آدم حجة في أرضه ، وخليفته في بلاده لم يخلقه للجنة ، وكانت المعصية من آدم في الجنّة لا في الأرض لتتم مقادير أمر اللّه عزّ وجل ، فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عزّ وجل : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ . أقول : وهذا الحديث شاهد لما قلنا في الحديث السابق وقوله : « فإن اللّه عزّ وجل خلق آدم حجة في أرضه وخليفته في بلاده » ظاهر بل ناص في عدم صدور المعصية منه من حين نفخ الروح فيه كما تدل عليه نصوص مستفيضة أن أول ما خلقه اللّه عزّ وجل هو الحجة ، وآخر من يذهب من الدنيا هو الحجة . وأما قوله : « وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض » تقدم ما يتعلق به من أنه ليس من النهي الموجب للمعصية الاصطلاحية وإنما هو ارشاد إلى عدم وقوعه في متاعب الدنيا ومشاقها ، كما مر .