السيد عبد الأعلى السبزواري

179

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

والمبالغة في ترك الأكل من الشجرة ، ويشهد لذلك قوله تعالى : فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ [ سورة الأعراف ، الآية : 22 ] . ويمكن أن يكون النهي عن نفس القرب موضوعية خاصة ، لأن من يقترب إلى المبغوض يوشك أن يقع فيه كما قال علي ( عليه السّلام ) « المعاصي حمى اللّه ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيها » . ولم يبين سبحانه الشجرة التي نهى آدم ( عليه السّلام ) عنها ، وقد اختلفت الروايات في تعيينها ، وتفاوتت أقوال المفسرين فيها بين الإفراط والتفريط ، فعن بعض أنها شجرة الكافور ، وعن آخر أنها السنبلة ، وعن ثالث أن البحث عنها لغو لا فائدة فيه . فإن كان مستند هذه الأقوال الروايات الواردة في المقام فهي قاصرة سندا ، ولم يحرز كونها لبيان الواقع ، وإن كان غيرها فلم يعلم حجيته . نعم ، في بعض الأخبار أنّها من شجرة الخلد ، وهو مخالف لما في أخبار أخرى تدل على أنّ الجنّة من جنات الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر - كما سيأتي - وتقدم شرح ذلك . ويمكن أن يقال : إنّها كانت مثالا لحقيقة الدنيا ، فإنّها تظهر لأنبياء اللّه تعالى وأوليائه بأشكال مختلفة ، فتارة : في صورة الامرأة كما ظهرت لنبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) في ليلة المعراج وظهرت لعلي ( عليه السّلام ) ، وأخرى : ظهرت لآدم ( عليه السّلام ) وحواء في صورة الشجرة وقد نهى اللّه عن قربها ، ويشهد لذلك قوله تعالى : فَتَشْقى [ سورة طه ، الآية : 117 ] أي تقع في تعب الدنيا ، كما أن التأمل في مجموع الآيات والروايات الواصلة إلينا في قصة آدم ( عليه السّلام ) تدل على أن النهي عن الدنو إلى الدنيا والاقتراب منها لذلك لا سيما لمن اتصف بالخلافة الإلهية ، وسيأتي في البحث الروائي تتمة الكلام . وكيف كان فإن النهي كان لمصالح كثيرة منها : الإشارة إلى أن الإنسان لم يخلق للبقاء في تلك الجنة ، بل خلق للأرض ، وفي الأرض ومنها ، كما عرفت ، فلا بد وأن تقع هذه المخالفة وكم كانت لها فوائد وآثار لآدم