السيد عبد الأعلى السبزواري
178
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
( صلّى اللّه عليه وآله ) : « منبري على ترعة من ترع الجنّة » ، مع أنه يحضر في تلك الروضة المقدسة البر والفاجر . وكيف كان فالجنّة هي من جنان الدنيا أعدها اللّه تعالى لآدم ( عليه السّلام ) وحواء إجلالا لهما ولاحتياجهما إلى الغذاء والراحة ، ويرشد إلى ذلك ما ذكرناه سابقا من أن آدم ( عليه السّلام ) خلق من الأرض وفي الأرض وللأرض ، وقد سخر اللّه تعالى له الأرض والسماء بعد تعليمه الأسماء كلها وجعله خليفة فيها . نعم وقع الكلام في محل هذه الجنّة ، ويأتي بعد ذلك بيانه إن شاء اللّه تعالى . ويمكن أن يكون المراد من جنة الخلد ما ذكرناه ، ومن جنة البرزخ ما ذكره الفلاسفة : من أن لجميع الموجودات نحو وجود برزخي في مقابل سائر أنحاء وجوده قد يظهر ذلك لأهله ، كما يظهر جملة من الموجودات في عالم النوم للنائم . قوله تعالى : وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما . الأكل معروف ، ويعبر عنه بمطلق الصرف والإنفاق أيضا كقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [ سورة النساء ، الآية : 29 ] ويمكن تأييد هذا ببعض الأخبار الواردة في المقام . والرغد : الطيب الواسع الهنيء ، ويمكن أن يكون قوله تعالى : حَيْثُ شِئْتُما تأكيدا لمعنى الرغد إذا لوحظ الرغد بالمعنى الأعم من السعة في المكان والزمان ، وسائر الخصوصيات والجهات ، فتدل على الإباحة المطلقة إلّا الشجرة الخاصة ؛ وأن ذلك هو معنى رغد العيش لغة ، فيستفاد منه التوسعة في جميع وسائل النعمة والراحة لهما . قوله تعالى : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ . القرب المنهي عنه في المقام كناية عن كثرة الاهتمام بترك المنهي عنه ، فكأنه تعالى نهى عن الاقتراب منه فضلا عن ارتكابه وهو كثير في القرآن الكريم والمحاورات الصحيحة قال تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ [ سورة الأنعام ، الآية : 151 ] ، وقال تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى [ سورة الإسراء ، الآية : 32 ] ، وقال تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ [ سورة الإسراء ، الآية : 34 ] فيكون محصل المعنى التأكيد