السيد عبد الأعلى السبزواري

127

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً . يحتمل أن يجعل الظرف الأخير في الآخرة : أي ، كلما انتفعوا من ثمارها قالوا هذا ما رزقنا قبل ذلك من ثمار الآخرة فإنها تكون بحيث كلما يقتطف منها ثمرة يعود مكانها مثلها . ويحتمل أن يجعل الظرف في الدنيا فإنّ ثمار الدارين متحدتان اسما وجنسا ونوعا ، ولكنهما مختلفتان في اللطافة والذوق والالتذاذ ونحوها . ويحتمل أن يراد من الرزق الثاني هو نفس الأعمال الصالحة التي هي بمنزلة البذور لثمار الجنة فيكون المراد إن ثمار الجنة لنا من جزاء أعمالنا ، ومنه يظهر وجه قوله تعالى : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً لوجود التشابه بين ما ينتفعون به فعلا وبين جميع الاحتمالات التي تعرضنا لها في الجملة ، فالمراد بالتشابه المعنى الأعم الشامل ، ويشهد للتشابه في الجملة قول الصادق ( عليه السّلام ) : « كل ما في الدنيا فسماعه أعظم من عيانه وكل ما في الآخرة فعيانه أعظم من سماعه » حيث أثبت ( عليه السّلام ) الاتحاد من جهة والاختلاف من أخرى ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [ سورة الزخرف ، الآية : 71 ] ، فإن من المشتهيات ما اشتهوه في الدنيا وتلذذوا به ، وكذا ظاهر كثير من الآيات التي تعد نعم الجنّة بالأسماء المستعملة المأنوسة . وأما ما عن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « إنّ اللّه قال : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » وغيره مما في سياق ذلك . فلا ينفي ما ذكر في سائر الآيات والروايات ، لأنها نعم أخرى إما جسمانية ليس في الدنيا لها اسم ولا رسم ، أو من النعم المعنوية التي لا موضوع لها في الدنيا . قوله تعالى : وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ . الأزواج جمع زوج بمعنى القرين ، ويطلق على كل واحد من الذكر والأنثى ، وقد يطلق على الأخيرة الزوجة . والمعنى أن لهم أزواجا مطهرات غاية التطهير ، لأن حذف المتعلق يفيد العموم فهنّ مطهرات من جميع الأقذار الخلقية - كالحيض