السيد مرتضى الموسوي ( مستنبط غروى )

51

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الجحيم متحققة قبلا فهي كالجنّة مخلوقة فعلا كما يستفاد من قوله تعالى وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ س 26 ى 90 و 91 وبذلك يظهر انّ بروز الجحيم مختصّ بالغاوين الذين يرون مباديها واثارها في عالم القبر ، فما ذكره الرازي من عدم المنافاة بين بروزها للغاوين والتعميم لمن يرى واضح الفساد إذ بناء على التعميم يحصل التعارض بين آيتي البروز بلا كلام : فلا بدّ من تخصيص العام بالخاص ، وعلى ما حقّقناه لا يجئ التعارض أصلا كما لا يخفى . ثمّ انّ العارف الزكىّ يستظهر من جميع ما بيّناه في المقام انّ نسبة عالم البعث إلى عالم القبر كنسبة عالم القبر إلى عالم الدنيا وبالعكس يعنى انّ نسبة عالم الدنيا إلى عالم القبر كنسبة عالم القبر إلى عالم البعث فكما انّ الناس في الدنيا نيام إذا ماتوا انتبهوا فكذلك الأموات في القبر نيام إذا بعثوا انتبهوا ، إذ كما انّ النائم غافل من نفسه وحركاته وإذا انتبه يصير شاعرا لنفسه وحركاته فكذلك أهل الدنيا في غفلة تامّة من أنفسهم وملكاتهم إذا ماتوا عرفوا أنفسهم وملكاتهم جميعا وهكذا الأموات غافلون عن حقيقة الجحيم والجنّة الّتى اعدّت لهم في القيمة وإذا بعثوا يعرفونها معرفة تامّة كاملة بل هذا أشبه بحالتى النوم واليقظة . إذا كما انّ السبب الغائى للنوم في الدنيا تقوية الروح البخاري الدماغي وتجويد هضم الغذا للبدن فارغا من تحمّل الافكار والادراكات وتقوية النفس واستكمالها بنفسها المجردة بتوجّهها إلى عالمها المجرد فارغة عن الاشتغال بعالم الطبيعة المظلمة وحوادثها المؤلمة فكذا السبب الغائى لمكث النفوس مدّة في عالم المثال مفارقة من الأبدان ليس الّا تقويتها في عالم التجرد واستكمالها بنفسها المجردة فارغة عن تثاقل الاشتغال بتدبير الأبدان وتقوية الأجساد في عالم الطبيعة وتصفيتها بمقتضى حركتها الجوهريّة إلى أن تصير ذات فعلّية تامّة وصورة كاملة مستغنية عن الكون والفساد الدنيوي مستكملة في