محمد باقر الملكي الميانجي

63

مناهج البيان في تفسير القرآن

وقرئ : « تنزل الملائكة بالرّوح » بالفعل اللّازم . ولكلّ من القراءتين وجه وجيه . وعليه تكون الآية الكريمة بمنزلة قوله تعالى : « تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ . . . » . ( القدر / 5 ) واختلفت الأقوال في تفسير الرّوح في هذه الآية الكريمة . فقيل : إنّ المراد به الوحي . وقيل : القرآن . وقيل : النبوّة . ( تفسير الرازيّ 31 / 34 ) أقول : يرد عليه أوّلا : انّه لا دليل من ظاهر الآية على شيء من تلك الأقوال . وثانيا : قد ذكرنا سابقا أنّ القرآن والوحي والنبوّة من أنواع التكليم الثلاثة ، والرّوح المذكور في هذه الآيات - سيّما في قوله تعالى : « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا . . . » - قد وقع في مقابل أنواع التكليم الثلاثة ، وليس من سنخها وجنسها ؛ لما ذكرنا أنّ العطف بالواو دون « أو » دليل ظاهر على أنّ الإيحاء بالرّوح ليس قسيما لها بل هو قسم خاصّ من التكليم الإلهيّ . وثالثا : انّ الظاهر في الآية أنّ الملائكة والرّوح ينزلان على جميع من اصطفاه تعالى من الرسل بالسّفارة والرسالة ، لا خصوص نبيّنا - - صلّى اللّه عليه وآله . فيسقط القول بأنّ المراد من الرّوح هو القرآن . وقد عرفت أيضا في تفسير قوله تعالى : « ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ . . . » أنّ الوحي والنبوّة عبارة عن التكليم الّذي ليس فيه وساطة الملك . فذكر اللّه تعالى الملائكة في هذه الآية دليل قاطع على أنّ الرّوح ليس بمعنى الوحي والنبوّة . لأنّ وساطة الملائكة إنّما هو في الرسالة فقط دون غيرها من التكليم . وقوله تعالى : « من أمره » ؛ أي : بأمره . وهو المناسب بقراءة « تنزل » بالفعل اللّازم . ولا دلالة ولا شهادة في لفظ الأمر في الآية الكريمة أنّ الأمر المذكور فيها من عالم الأمر ومن سنخه . بل الأمر في هذه الآية ونظائرها من مصاديق المعنى اللّغويّ بالمعنى المصدريّ ؛ مثل قوله تعالى : « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ » . ( الأعراف / 54 ) قوله تعالى : « أَنْ أَنْذِرُوا » منصوب بنزع الخافض ، وبمنزلة التعليل لقوله