محمد باقر الملكي الميانجي

56

مناهج البيان في تفسير القرآن

للشيء المخترع على غير مثال سبق . أقول : الظّاهر أنّ معنى الخلق هو الإيجاد عن تقدير . قال الراغب في مفرداته / 251 في قوله تعالى : « الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ » : أي : جعل خلقتك على ما اقتضت الحكمة . وفيه أيضا ص 252 في قوله تعالى : « رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها » ( النازعات / 28 ) : فتسويتها تتضمّن بناءها وتزيينها المذكور في قوله تعالى : « إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ » . [ الصّافات / 6 ] قال في القاموس 4 / 345 : واستوى : اعتدل . والرجل : بلغ أشدّه ، أو أربعين سنة . . . وسوّاه تسوية وأسواه : جعله سويّا . . . . وليلة السّواء : ليلة أربع عشرة ، أو ثلاث عشرة . وفي نور الثقلين 4 / 117 عن معاني الأخبار مسندا عن محمّد بن النعمان الأحول ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله - عزّ وجلّ - : « وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى » . [ القصص / 14 ] قال : أشدّه ثمان عشر سنة . واستوى : التحى . فالمستفاد من جميع ما ذكرنا أنّ التسوية في مورد خلقة الإنسان ، إتمام خلقه واستكماله بحيث يكون تامّا ومستعدّا لإيفاء الغرض الّذي خلق له ، لا الطّين الجامد المصوّر بصورة الإنسان قبل حلول روح الحياة فيه ، ولا يصدق عليه أنّه إنسان سويّ يرى ويسمع ويبصر . ولا بدّ من الالتزام بأنّ عنوان التسوية والإتمام لا يتحقّق إلّا بعد نفخ روح الحياة فيه . قال تعالى : « أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها . رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها » . ( النازعات / 27 و 28 ) « الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ » . ( الانفطار / 7 ) « وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها » . ( الشمس / 7 ) « ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى » . ( القيامة / 38 ) « فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » . ( مريم / 17 ) فاتّضح أنّ المراد بالتّسوية إنّما بعد تحقّق الخلقة في هذه الآيات الثلاث وغيرها . أي : صار بشرا سويّا واجدا لروح الحياة الّتي به يدبّ ويدرج ، وبه يسمع ويبصر .