محمد باقر الملكي الميانجي
54
مناهج البيان في تفسير القرآن
البيّنات المعجزة الّتي تحدّى عيسى بها أمّته وأهل دعوته ؛ مثل تحدّي موسى بالعصا واليد البيضاء ، ومثل ما تحدّى سيّدنا ومولانا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - أمّته وأهل دعوته بالقرآن الكريم . وعطف قوله تعالى : « وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » على البيّنات الخاصّة ، فيه إشارة إلى أنّ تأييده تعالى عيسى بروح القدس ، وإن كان آية من آياته تعالى ، إلّا أنّه ليس من سنخ البيّنات الخاصّة ، بل هي آية مشتركة بين جميع الأنبياء والرسل ؛ كما تقدّم في قوله تعالى : « أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا » . وقوله تعالى : « إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا » فيه دلالة على أنّ تأييده - تعالى شأنه - عيسى بروح القدس ، فيه سببيّة ودخالة بحسب ظاهر الكلام في تكليمه - عليه السّلام - الناس في المهد وكهلا بالنبوّة وإيتاء الكتاب ؛ ولولاه ، لما يقدر على هذه الكرامة العجيبة والمعجزة الباهرة . وقد أوضحنا في تفسير الآية الأولى أنّ صيرورة إنسان نبيّا أو رسولا أو وصيّا ، إنّما كان بعد مرتبة إفاضة الرّوح القدسيّ وبعد تأييده بهذا العلم الإلهيّ ، أي في مرتبة متقدّمة على النبوّة والرسالة . وفي الكافي 2 / 281 و 282 : عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن أبيه ، رفعه عن محمّد بن داود الغنويّ ، عن الأصبغ بن نباته قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ أناسا زعموا أنّ العبد لا يزني وهو مؤمن . . . . فقال أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - : « صدقت . سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - يقول - والدّليل عليه كتاب اللّه - : خلق اللّه - عزّ وجلّ - النّاس على ثلاث طبقات ، وأنزلهم ثلاث منازل . وذلك قول اللّه - عزّ وجلّ - في الكتاب : أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، والسّابقون . فأمّا ما ذكر من أمر السابقين ، فإنّهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين . جعل اللّه فيهم خمسة أرواح : روح القدس ، وروح الإيمان ، وروح القوّة ، وروح الشّهوة ، وروح البدن . فبروح القدس