محمد باقر الملكي الميانجي

47

مناهج البيان في تفسير القرآن

إنّما هو بالروح ، وذكر الكتاب ليس بالأصالة بل يتبع بيان شؤون الرّوح . قوله تعالى : « نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا » . « نهدي به » ؛ أي : بهذا الرّوح القدسيّ « من نشاء من عبادنا » الّذين أردنا وشئنا اصطفاءهم بكرامة النبوّة والرسالة وكذلك اجتباء من نشاء من عبادنا بمنزلة الخلافة والوصاية الرفيعة . وقد ذكرنا أنّ هذا الروح القدسيّ يصطفي - تعالى شأنه - به الأنبياء والرسل والأوصياء والصدّيقين أيضا . قوله تعالى : « وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . أقول : هذا الخطاب لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - لبيان مصداق بارز ممّن يتحمّل هذا الرّوح القدسيّ ويهدي ويدعو به إلى الصراط المستقيم . وممّا ذكرنا يعلم أنّ إرجاع الضمير في قوله تعالى : « بِهِ » إلى « الكتاب » وأنّه تعالى يهدي بالكتاب من يشاء من الناس ، غير سديد . فالمستفاد من الآية الكريمة وما سنتلو عليك من الدلائل والشواهد ، أنّ هذه المعارف والشرائع حقائق يعرفها ويعلمها الإنسان الرسول والنبيّ والصدّيق الوصيّ ، من دون ارتياب وترديد ، على سبيل البداهة والعيان . فهم - صلوات اللّه عليهم - على بيّنة وبصيرة وحجّة من ربّهم في كلّ ما يدعون النّاس إليه وكلّ ما يفتون في الحوادث والوقائع . وإنّما يعرفون هذه المعارف والشرائع بهذا الروح القدسيّ ؛ وهو العلم المفاض من اللّه - سبحانه - على الأنبياء والرسل والصدّيقين في مرتبة متقدّمة على النبوّة والرسالة رتبة وزمانا . وهذا العلم مصون ومعصوم بذاته . فهؤلاء الرجال الكرام واجدون لهذا الروح العلميّ . فبه يأخذون النبوّة والرسالة والشرائع . وبه يتحمّلونها ويحفظونها ويبلّغونها . وحيث إنّ هذا العلم مصون ومعصوم بذاته ، يستحيل عروض السّهو والخطأ والنسيان واللّهو واللّغو فيه . فهم - صلوات اللّه عليهم - آنس شيء بهذه المعارف و