محمد باقر الملكي الميانجي
48
مناهج البيان في تفسير القرآن
الشرائع وبما يدعون الناس إليه من الحقائق الأخرويّة وأشخاصها وأعيانها . فهم أعرف الناس بما يشاهدون من عوالم الآخرة والبرزخ وأعيان الآخرة وأشخاصها ؛ مثل الملائكة الّذين هم من أهل الآخرة . إذا تقرّر ذلك ، فانظر واقض العجب ممّا أورده في الكشّاف 4 / 180 في رواية عائشة نقلا عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - قال : فنظرت فوقي ، فإذا به قاعد على عرش بين السّماء والأرض - يعني الملك الّذي ناداه - فرعبت ، ورجعت إلى خديجة فقلت : دثّروني ! دثّروني ! فنزل جبريل وقال : « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » . وعن الزهري : أوّل ما نزل سورة « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ » إلى قوله : « ما لَمْ يَعْلَمْ » . فحزن رسول اللّه ( ص ) وجعل يعلو شواهق الجبال . فأتاه جبريل فقال : إنّك نبيّ اللّه . فرجع إلى خديجة وقال : دثّروني وصبّوا عليّ ماء باردا . فنزل : « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » . وفيه / 174 : وقيل : دخل على خديجة وقد جئث فرقا أوّل ما أتاه جبريل وبوادره ترعد ، فقال : زمّلوني ! زمّلوني ! وحسب أنّه عرض له . فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبريل : « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ » . أقول : هذه الأقاويل ونظائرها باطلة . والقائل لا بدّ من أن يلتزم بإبطال الحجّة بين الرسول وبين اللّه ؛ إذ لا دليل عنده على أنّه نبيّ أو رسول . وكذلك بإبطال الحجّة بين الرسول وأهل دعوته ؛ إذ لا دليل له على رسالته ونبوّته حتّى يعتمد عليه أهل دعوته ؛ فلا يجوز له ادّعاء النبوّة والبلاغ والتعليم . ولم يعرف الزمخشريّ أنّ موقف الوحي موقف خطير ومن أجلّ المواقف الّتي لا يمكن أن ينالها إلّا عدّة من أفاضل البشر ، على سبيل الكرامة الخارقة للعادة والطبيعة . وليس مذعورا ولا مرعوبا ولا مضطربا ، وما فرّ من جبرائيل ، وما علا شواهق الجبال ، وما حسب أنّه عرض له شيء لا في عقله ولا في بدنه ؛ بل كان - صلّى اللّه عليه وآله - حاملا لعرش العلم وواجدا إيّاه ؛ يرى ويعرف جبرائيل بحقيقة العرفان ، ويستأنس به ، ويكلّمه مشافهة وقبلا . وكان عليه - صلّى اللّه عليه وآله - سكينة العارفين ووقار المخبتين وطمأنينة الذاكرين . وقال الرازيّ في تفسيره 27 / 189 : إنّ الرسول إذا سمعه من الملك ، كيف