محمد باقر الملكي الميانجي

43

مناهج البيان في تفسير القرآن

قوله تعالى : « أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ » . هذا هو النوع الثاني من التكليم . والوراء - على ما ذكره أهل اللّغة - بمعنى الخلف ، وبمعنى الأمام ؛ ضدّان . وذكر في أقرب الموارد أنّه استعمل بمعنى سوى أيضا . أقول : أمّا استعماله بمعنى الأمام ، ففي قوله تعالى : « وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » ( المؤمنون / 100 ) وأمّا استعماله بمعنى سوى ، ففي قوله تعالى : « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ . . . وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ » . ( النساء / 23 و 24 ) « فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ » . ( المعارج / 31 ) وذكر بعض المفسّرين في تفسير قوله تعالى : « وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ » . ( البروج / 20 ) أي : إنّه الخارج عن الشيء المحيط به . وذكر الرازيّ في تفسيره 31 / 124 ما خلاصته أنّه بمعنى الاقتدار والإحاطة . وقريب منه عبارات غيره . أقول : لا يخفى ضعف ما ذكروه في تفسير قوله تعالى : « وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ » . ومع قطع النظر عن ضعفه ، يشكل إجراؤه في تفسير هذه الآية المبحوثة . ولا يبعد أن يقال : إنّ لفظ « وراء » في هذه الآية بمعنى غير وسوى . أي : يكلّمه تعالى من غير حجاب . والمراد : بلا واسطة أحد بينه تعالى وبين من يكلّمه من أنبيائه الكرام . وهذا النوع قسيم للنوع الأوّل ؛ أي التكليم على سبيل الوحي الأعمّ من أن يكون باللّفظ أو غيره ، مثل النكت في القلوب . وحيث إنّ هذا التكليم إنّما يكون بلا واسطة وبلا حجاب ، فلا محالة يكون قسيما للنّوع الثالث الّذي فيه تصريح بوساطة رسل من رسل السماء في تكليمه تعالى أحدا من عباده المقرّبين . قوله تعالى : « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ » . بيان : واضح أنّ الرسول والنبيّ صفتان مشبّهتان أخذتا من الفعل اللّازم . فالرسول - من رسل يرسل - يسمّى رسولا بعناية كونه حاملا للرّسالة الّتي تلقّاها من رسل السّماء أو الملك الّذي تلقّاها من ملك فوقه أو من اللّه - سبحانه - ويسمّى رسولا بعناية أنّه حامل وأمين للرّسالة الّتي يحملها كي يبلّغها إلى رسل