محمد باقر الملكي الميانجي

42

مناهج البيان في تفسير القرآن

طرق الأسباب والعلل . وقد تقرّر في محلّه أنّ القول بالكرامة الخارقة للعادة أو في مرحلة التحدّي والتعجيز مع التحفّظ على نظام العلّيّة والمعلوليّة ، غير سديد ، وقول بلا دليل . فالآية الكريمة دالّة على أنّ تكليمه تعالى أحدا من البشر منحصر في ثلاثة أنواع : النوع الأوّل : الوحي . الثاني : التّكليم من وراء حجاب . الثالث : بإرسال رسل من السماء إلى رسل من أهل الأرض . وسيجيء - إن شاء اللّه تعالى - أنّ التكليم كما يكون بإيجاد الألفاظ وإسماع الصّوت ، كذلك يكون بغير الألفاظ أيضا ؛ مثل النكت في القلوب . قوله تعالى : « إِلَّا وَحْياً » . هذا هو النوع الأوّل من التكليم . وقوله تعالى : « إِلَّا » استثناء من النفي المذكور في صدر الآية الكريمة المذكورة . وحيث إنّ المنفيّ - أي المستثنى منه فيها - هو التكليم على نحو الكرامة الخارقة للعادة لا كلّ تكليم ، فلا محالة يكون الاستثناء متّصلا . قال في القاموس 4 / 401 : الوحي : الإشارة والكتابة ، والمكتوب والرسالة ، والإلهام ، والكلام الخفيّ ، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك ، والصوت يكون في الناس وغيرهم كالوحي والوحاة . وقد عرفت ممّا ذكرنا من البيان المتقدّم ، أنّه لا يجوز أن يراد من الوحي في هذا المقام الوحي بما له من المعنى الوسيع بحسب اللّغة ، ولا ما أريد منه بالعنايات المتناسبة من المعاني على نحو المجاز أيضا ، بل لا بدّ من الالتزام بأنّ المراد من الوحي ، هو التكليم الخاصّ المفاض على الإنسان النبيّ والرسول . والقدر المسلّم من هذا النوع من الوحي ما يلقى إلى الأنبياء والرسل في باب الشرائع والأحكام والمعارف ؛ وبالنسبة إلى غير الأنبياء والرسل من الأوصياء والصّدّيقين ، ما يلقى إليهم من المعارف والحقائق والأنباء . ولعلّ من هذا الباب التحديث ؛ أي : سماع صوت الملك من غير أن يرى شخصه .