محمد باقر الملكي الميانجي
25
مناهج البيان في تفسير القرآن
العقاب وفاقا للذنب . ونظيره قوله تعالى : « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » . [ الشورى / 40 ] والثاني : إنّ وفاقا من حيث لم يزد على قدر الاستحقاق ولم ينقص عنه . أقول : ويرد على الوجه الأوّل : انّ الّذي ذكره إنّما يناسب المطابقة والمماثلة ، لا الموافقة . وعلى الثاني : انّ سياق الآيات سياق التهديد لا موازنة الذنوب والمجازاة كي يكون موافقا أو مخالفا . فإنّ إفادة ذلك تحتاج إلى عناية زائدة . ثمّ إنّ القول بأنّ المجازاة على قدر الاستحقاق غير سديد . فإنّ عدله تعالى لا يقاوم به أحد . فالكافر مثلا عند أوّل ما ارتكب الكفر فاستحقّ الخلود والعذاب الشّديد الخالد ؛ فكيف العذاب الأخرويّ على كفره وجناياته مدّة عمره ؟ ! فلا يبقى موضوع لإعمال العدل مرّة ثانية بعد المعصية الأولى . فلا يتصوّر الخلود الثاني بعد الحكم بالخلود بالمعصية الأولى . وكذلك الحكم بالشدّة في مرّة ثانية بعد الحكم بشدّة العذاب الّذي لا نهاية له . وأمّا الموافقة بالمعنى الّذي ذكره الصّوفيّة ؛ أي بناء على أنّ الجزاء بالأعمال يكون بعين الأعمال الّتي ارتكبها في الدنيا ، فساقط بسقوط أصل المبنى ، لسقوط الفرضيّات الّتي افترضوها بالتقريبات والمغالطات الّتي تكلّفوا في تطبيق الكتاب والسّنة عليها . لأنّ الآيات والسّنن المتواترة آبية عن هذا التطبيق . فالجنّة مثلا عرضها كعرض السّموات والأرض وهي مخلوقة فعلا وموجودة خارجا جزاء المحسنين ، لا أنّها عين عمل العاملين . وكذلك الكلام في طرف النار وشدائدها . هذا أوّلا . وثانيا : إذا كانت المجازاة بعين ما عملوه ، فلا توافق ولا تطابق ولا تماثل بين الشيء ونفسه ، ولا محصّل لهذا الكلام . بل التّوافق بأيّ معنى فرضناه ، دليل على بطلان ما قيل من عينيّة الجزاء والعمل . بل التوافق إنّما يكون بين شيء وشيء سويّ كان أحدهما متفرّعا على الآخر ، أو كانا في عرض سويّ . قال في القاموس 3 / 289 : الوفيق - كأمير - : الرفيق وبلا لام علم . وحلوبته وفق عياله : لبنها قدر كفايتهم . أقول : فعلى ما ذكره القاموس ، يكون المعنى : « جَزاءً وِفاقاً » ؛ أي : لازما إيّاه ، أو : جزاء كافيا . واللّه العالم .