محمد باقر الملكي الميانجي

8

مناهج البيان في تفسير القرآن

وحيث إنّ العلم ذاته وحقيقته طريقيّة ، فلا محالة يكون المراد المستفاد من قوله تعالى : « سَيَعْلَمُونَ » في كلتا الآيتين ما به التهديد والوعيد وما سيعلمون من العقاب والعذاب في الموقفين وفي كلّ من الموقفين ، لا نفس العلم بلحاظه الموضوعي . فالمعنى : سيعلمون ما يردون عليه من الجزاء على المساءلة وعلى غيرها من إلحادهم وتكذيبهم بآيات اللّه وكتبه ورسله . قوله تعالى : « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 6 ) » . بيان : هذه الآية إلى قوله : « وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً » تذكرة واستدلال على إبطال مقالة المتسائلين . والظّاهر من الآيات الكريمة هو الاستدلال على توحيده تعالى بما هو الظّاهر والمشهود بالبديهة من إتقان الصّنع وإحكام النظم ، وأنّه - سبحانه - تجلّى بآيات ربوبيّته وتوحّده وتفرّده في الرّبوبيّة ، بحيث لا يبقي لمنكر مجالا ولا مقالا . وسيأتي - إن شاء اللّه - تفسير ربوبيّته تعالى في قوله تعالى : « قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ » . وليس في تلك الآيات ما يوهم الاستدلال على أنّ النبأ والمتساءل عنه هو أمر المعاد أو غيره من الوجوه المتقدّمة . فالظّاهر أنّ الاستفهام إنكاريّ ينكر تعالى مساءلتهم عمّا يدعوهم القرآن الكريم إليه من أمر التّوحيد وما يتلو عليهم من آياته في الحقائق والمعارف ويقرعهم ويحتّج عليهم بالبراهين الباهرة والحجج القيّمة أنّ هذا التساؤل والتخالف ممّا لا ينبغي ولا يجوز . فإنّ الأعلام قائمة والمنار واضح والدلائل مشهودة . وقوله تعالى : « مِهاداً » مصدر بمعنى المفعول ، ومفعول ثان لقوله تعالى : « أَ لَمْ نَجْعَلِ » . أي : ممهودا ، بمعنى مبسوطا . وفي الكشّاف : « مِهاداً » فراشا . والمهاد : ما يتّهيّأ ويصنع لنوم الصّبيّ فيه . أي : جعلنا الأرض مهادا للناس يستريحون فيها ، وفراشا لهم يسكنون عليها ويتقلّبون فيها . أقول : فيها استدلال وهداية لقوم يعقلون ، واحتجاج ومجادلة بالحسنى على المكذّبين والمشركين . فإنّ حقيقة معرفته تعالى إنّما هي معرفته بالوحدانيّة في ذاته ونعوته وأفعاله . فمن عرف اللّه - سبحانه - فقد وحّده . ومن لم يوحّده تعالى ، فما عرفه . ومن هنا يتّضح أنّ الآيات والبراهين المذكّرة بوجود الّصانع ومعرفته في القرآن