محمد باقر الملكي الميانجي

30

مناهج البيان في تفسير القرآن

خلقكم في الأرض . وقد ذكرنا في أبحاثنا غير مرّة أنّ من الواضحات عند أولي الألباب ، أنّ المخلوقيّة علامة بيّنة وآية ظاهرة على علمه تعالى وقدرته ؛ ضرورة استحالة خلق شيء من الأشياء من غير علم به وقدرة عليه . أمّا ارتباط الآية بقوله تعالى : « وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » إمّا لتهديد العصاة لعصيانهم ، أو لغيره من الغايات . فلا يبعد أن يقال : إنّه تفريع على ما تقدّم في قوله : « ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ » . ضرورة أنّ في خالقيّته تعالى إشارة ودلالة على كونه تعالى باعثا وناشرا إيّاهم من قبورهم أيضا ؛ إذ . لا يمكن تفكيك قدرته تعالى وعلمه بين خلقهم وبين بعثهم . فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء . ولهذه الآية نظائر كثيرة في القرآن الكريم ؛ منها : « قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » . ( يس / 79 و 81 ) « أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً . أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى . ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى . أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى » . ( القيامة / 36 - 40 ) واستظهر الرازيّ ( في تفسيره 30 / 74 ) ذلك الّذي ذكرناه في تفسير المقام بوجه آخر . من أرادها ، فليراجعها . قوله تعالى : « وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 25 ) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ » . ظاهر أنّ السؤال ليس لأجل التفهّم والتعلّم ، بل لأجل المناقشة والخدشة في إمكان المعاد وصحّته وتكذيب النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - فيما جاء به . فإنّ قولهم : « إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » صريح في أنّ السؤال عن الوقت بفرض كون النبيّ صادقا لا مطلقا . والجواب أنّ العلم بيوم القيامة مختصّ باللّه - سبحانه - ولا يعلم هذه الحادثة الكبيرة إلّا اللّه - سبحانه - فقط . قال تعالى : « إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى » . ( طه / 15 )