سليمان بن موسى الكلاعي

427

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

وذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادي في تاريخه « 1 » أن بغداد كانت في أيام مملكة العجم قرية يجتمع فيها رأس كل سنة التجار ، ويقوم بها للفرس سوق عظيمة ، فلما توجه المسلمون إلى العراق وفتحوا أول السواد ، ذكر للمثنى بن حارثة أمر سوق بغداد ، ثم أورد بإسناد له عن ابن إسحاق أن أهل الحيرة قالوا للمثنى ، وذكره سيف من طريق آخر أن رجلا من أهل الحيرة قال للمثنى ، واللفظ في الحديثين متقارب ، وقد دخل حديث أحدهما في حديث الآخر ، قالوا : ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى وتجار السواد ويجتمع بها في كل سنة من الناس مثل خراج العراق ، وهذه أيام سوقهم التي يجتمعون فيها ، فإن أنت قدرت على أن تعبر إليهم وهم لا يشعرون أصبت بها مالا يكون غناء للمسلمين وقوة على عدوهم ، وبينها وبين مدائن كسرى عامة يوم ، فقال لهم : فكيف لي بها ؟ قالوا : إن أردتها فخذ طريق البر ، حتى تنتهى إلى الأنبار ، ثم تأخذ رؤس الدهاقين ، فيبعثون معك الأدلاء ، فتسير سواد ليلة من الأنبار حتى تأتيهم ضحى . قال : فخرج من النخيلة ومعه أدلاء الحيرة ، حتى دخل الأنبار ، فنزل بصاحبها فتحصن منه ، فأرسل إليه : ما يمنعك من النزول ؟ فأرسل إليه : إني أخاف ، فأرسل إليه : انزل فإنك آمن على دمك وقريتك ، وترجع سالما إلى حصنك ، فتوثق عليه ثم نزل ، فأطعمه المثنى ، وخوفه واستكتمه ، وقال : إني أريد أن أعبر فابعث معي الأدلاء إلى بغداد ، حتى أغير منها إلى المدائن ، قال : أنا أجىء معك ، قال المثنى : لا أريد أن تجىء معي ، ولكن ابعث معي من يعرف الطريق ، ففعل وأمر لهم بزاد وطعام وعلف ، وبعث معهم دليلا ، فأقبل حتى إذا بلغ المنصف قال له المثنى : كم بيننا وبين هذه القرية ؟ قال : أربعة فراسخ أو خمسة ، وقد بقي عليك ليل ، فقال لأصحابه : من ينتدب للحرس ، فانتدب له قوم ، فقال لهم : اذكروا حرسكم ، ثم نزل وقال للناس : أنزلوا فاقضوا واطمعوا وتوضأوا وتهيأوا وابعثوا الطلائع فلا يلقون أحدا إلا حبسوه ، ثم سار بهم فصبحهم في أسواقهم ، فوضع فيهم السيف ، فقتل وأخذ الأموال ، وقال لأصحابه : لا تأخذوا إلا الذهب والفضة ، ومن المتاع ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته ، وهرب الناس ، وتركوا أمتعتهم وأموالهم ، وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحرّ من كل شئ . ثم كر راجعا ، ثم نزل بنهر السيلحيين من الأنبار ، فقال للمسلمين : احمدوا الله الذي سلمكم وغنمكم ، وانزلوا فاعلفوا خيلكم من هذا القصب ، وعلقوا عليها ، وأصيبوا من

--> ( 1 ) انظر : تاريخ بغداد ( 1 / 25 - 27 ) .