سليمان بن موسى الكلاعي

195

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

فقال خالد : إن بالشام أهل الإسلام ، وقد تهيأت لهم الروم وتيسرت ، فإنما أنا مغيث وليس لهم مترك ، فكونوا أنتم هاهنا على حالكم التي كنتم عليها ، فإن نفرغ مما أشخصنا إليه عاجلا عجلنا إليكم ، وإن أبطأت رجوت أن لا تعجزوا ولا تهنوا ، وليس خليفة رسول الله بتارك إمدادكم بالرجال حتى يفتح الله عليكم هذه البلاد إن شاء الله تعالى . ويروى أن أبا بكر أمر خالدا بالخروج في شطر الناس ، وأن يخلف على الشطر الثاني المثنى بن حارثة ، وقال له : لا تأخذ مجدا إلا خلفت لهم مجدا ، فإذا فتح الله عليكم فارددهم إلى العراق معهم ، ثم أنت على عملك . وأحصى خالد أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فاستأثرهم على المثنى وترك للمثنى أعدادهم من أهل الغناء ممن لم يكن له صحبة ، ثم نظر فيمن بقي فاختلج من كان قدم على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وافدا أو غير وافد ، وترك للمثنى أعدادهم من أهل الغناء ، ثم قسم الجند نصفين . فقال المثنى : والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبى بكر كله في استصحاب نصف الصحابة ، وإبقاء النصف أو بعض النصف ، فوالله ما أرجو النصر إلا بهم ، فأنى تعرينى منهم ؟ فلما رأى ذلك خالد بعدما تلكأ عليه أعاضه منهم حتى رضى ، وكان فيمن أعاضه منهم فرات بن حيان العجلي وبشير بن الخصاصية والحارث بن حسان الذهليان ومعبد بن أم معبد الأسلمي وبلال بن الحارث المزنى وعاصم بن عمرو التميمي ، حتى إذا رضى المثنى وأخذ حاجته انحدر خالد فمضى لوجهه ، وشيعه المثنى إلى قراقر ، فقال له خالد : انصرف إلى سلطانك غير مقصر ولا ملوم ولا وان « 1 » . وذكر الطبري « 2 » أن خالدا رحمه الله ، لما أراد المسير إلى الشام دعا بالأدلة فارتحل من الحيرة سائرا إلى دومة ، ثم ظعن في البر إلى قراقر ، ثم قال : كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم ؟ فإني إن استقبلتها حبستني عن غياث المسلمين ، فكلهم قال : لا نعرف إلا طريقا لا تحمل الجيوش ، فإياك أن تغرر بالمسلمين ، فعزم عليه ، ولم يجبه إلى ذلك إلا رافع بن عميرة على تهيب شديد ، فقام فيهم فقال : لا يختلفن هديكم ولا تضعفن تعبئتكم ، واعلموا أن المعونة تأتى على قدر النية ، والأجر على قدر الحسبة ، وأن المسلم لا ينبغي له أن يكترث لشئ يقع فيه مع معونة الله له . فقالوا له : أنت رجل قد جمع الله لك الخير فشأنك ، فطابقوه ونووا واحتسبوا .

--> ( 1 ) انظر : تاريخ الطبري ( 3 / 411 ) . ( 2 ) انظر : تاريخ الطبري ( 3 / 409 ) .