سليمان بن موسى الكلاعي
185
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
هواك إلى طاعة ربك ، قال : فإن شئت أقمت معك ، قال : أما إذا كان هواك الجهاد فلم أكن لآمرك بالمقام ، وإنما أردتك للأذان ، ولأجدن لفراقك وحشة يا بلال ، ولا بد من التفرق فرقة لا التقاء بعدها حتى يوم البعث ، فاعمل صالحا يا بلال ، وليكن زادك من الدنيا ما يذكرك الله به ما حييت ، ويحسن لك به الثواب إذا توفيت . فقال له بلال : جزاك الله من ولى نعمة وأخ في الإسلام خيرا ، فوالله ما أمرك لنا بالصبر على الحق والمداومة على العمل بالطاعة ببدع ، وما كنت لأؤذن لأحد بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم خرج بلال مع سعيد بن عامر . وجاء سعيد على راحلته حتى وقف على أبى بكر والمسلمين ، فقال له : إنا نؤم هذا الوجه ، فجعله الله وجه بركة ، اللهم فإن قضيت لنا التقاء فاجمعنا على طاعتك ، وإن قضيت لنا الفرقة فإلى رحمتك ، والسلام عليكم ، ثم ولى يذهب . فقال أبو بكر : عباد الله ، ادعوا الله كيما يصحب صاحبكم ويسلمه ، ارفعوا أيديكم رحمكم الله ، فرفع القوم أيديهم إلى ربهم وهم أكثر من خمسين رجلا ، فقال على رضي الله عنه : ما رفع عدتكم من المسلمين أيديهم إلى ربهم يسألونه شيئا إلا استجاب لهم ، ما لم يكن معصية أو قطيعة رحم ، فبلغه ذلك بعدما واقع أرض الشام وقاتل العدو ، فقال : رحم الله إخواني ، ليتهم لم يكونوا دعوا لي ، قد كنت خرجت وإني على الشهادة لحريص جاهد ، فما هو إلا أن لقيت العدو فعصمنى الله من الهزيمة والفرار ، وذهب من نفسي ما كنت أعرف من حب الشهادة ، فلما خبرت أن أخوانى دعوا لي بالسلامة عرفت أنهم استجيب لهم . وكان أبو بكر أمره أن يلحق بيزيد بن أبي سفيان ، فسار حتى لحق به ، وشهد معه وقعة العربة والداثنة . وعن حمزة بن مالك الهمذاني أنه قدم في جمع عظيم من همذان « 1 » على أبى بكر ، رحمه الله ، قال : فقدموا وهم ألفا رجل أو أكثر ، فلما رأى أبو بكر عددهم وعدتهم سره ذلك ، فقال : الحمد لله على صنيعه للمسلمين ، ما يزال الله تعالى ، يرتاج لهم بمدد من أنفسهم يشد به ظهورهم ويقصم به عدوهم ، قال : ثم إن أبا بكر أمرنا فعسكرنا بالمدينة ، وكنت أختلف إلى أبى بكر غدوة وعشية ، وعنده رجال من المهاجرين والأنصار ، فكان يلطفنى ويدنى مجلسي ، ويقول لي : تعلم القرآن ، وأسبغ الوضوء ، وأحسن الركوع والسجود ، وصل الصلاة لوقتها ، وأد الزكاة في حينها ، وانصح المسلم ، وفارق المشرك ،
--> ( 1 ) همذان : بالذال المعجمة ، مدينة من عراق العجم من كور الجبل . انظر : الروض المعطار ( 596 ) ، نزهة المشتاق ( 203 ) ، اليعقوبي ( 272 ) .