محمد باقر الملكي الميانجي
74
مناهج البيان في تفسير القرآن
نفسانيّة هي خيال في هذا العالم وحسّ في ذلك العالم . والإنسان إذا مات وتجرّد عن هذا البدن الطبيعيّ قامت قيامته الصغرى وحشر أوّلا إلى عالم البرزخ ثمّ إلى الجنّة والنّار عند القيامة الكبرى . والفرق بين الصّور التي يراها ويكون عليها الإنسان في البرزخ والتي يشاهدها ويكون عليها في الجنّة والنّار عند القيامة الكبرى إنّما يكون بالشدّة والضعف ، والكمال والنقص ، إذ كلّ منها صور إدراكيّة جزئيّة غير ماديّة إلّا أنّها مشهودة في عالم البرزخ بعين الخيال ، وفي عالم الجنان بعين الحسّ ، لكن عين الحسّ الأخرويّ ليس غير عين الخيال . أقول : هذا الجواب إنكار لأصل مسلّم قطعيّ من أصول الدّين ؛ وهو كون الجنّة والنّار ماديّتين . وأمّا الجواب بحسب العلوم الشرعيّة فيحتاج إلى البحث عن طور خلقة عوالم الغيب والآخرة ، وأصناف مخلوقاتها من الأرواح والملائكة الموجودة المخلوقة من الأنوار الماديّة اللّطيفة ، وإلى البحث عن طور خلقة عوالم الحسّ والشهادة ، وعدم التزاحم والاحتكاك بين هذين العالمين الماديّين الطوليّين بجميع ما فيهما من الأصناف التي لا يعلمها ولا يحصيها إلّا اللّه تعالى ، فليطلب ذلك من مفصّلات علوم القرآن المبين وعلوم آل الرسول صلوات اللّه عليهم أجمعين . قوله تعالى : « الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ » . هذه الصّفة وما بعدها من الصفات مدح للمتّقين وتعريف لهم . وفيها دعوة وحثّ على تحصيل الصفات المذكورة . والإنفاق في سبيل اللّه ابتغاء وجه اللّه الكريم أمر حسن بالضرورة ومن الفقير في حال ضرّه أحسن لأنّه أشقّ عليه . وفي هذا إشارة إلى أنّ الإنفاق حسن من كلّ انسان على قدر سعته . ولو استبعد الإنسان الإحسان من نفسه لابتلي بخسّة النفس ورذيلة المنع ، واعتاد قساوة القلب وعدم النظر إلى حوائج المضطرّين . فالإنفاق في حال العسر والضرّ أجلى كاشف لتقوى القلوب من الإنفاق في حال اليسر والسّرور . قوله تعالى : « وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ » . قال في لسان العرب 12 / 519 : كظم الرجل غيظه إذا اجترعه . كظمه