محمد باقر الملكي الميانجي
73
مناهج البيان في تفسير القرآن
وفي الآية الكريمة دلالة على أنّ الجنّة مخلوقة الآن . والتردد في مخلوقية هذه الحقيقة والوسوسة فيها - كما نقل بعض شيوخ المعتزلة - ليس بشيء إذ ليس لهم دليل يعتمد عليه ، وأصل يركن إليه . ولا مساغ لتأويل الآيات الدالّة على أنّ الجنّة والنّار مخلوقتان موجودتان الآن . [ الجنّة ومكانها ] وقد استشكل في الآية بأنّه إذا كانت الجنّة عرضها السماوات والأرض فأين النّار ؟ وكيف يمكن القول بوجودها مع وجود السماوات والأرض . قال في مجمع البيان 2 / 504 : والجواب أنّه قيل : إنّ الجنّة فوق السماوات السبع تحت العرش . عن أنس بن مالك . وقيل : إنّ الجنّة فوق السماوات السبع والنار تحت الأرضين السبع . عن قتادة . . . وقيل : إنّ اللّه يريد في عرضها يوم القيامة فيكون المراد عرضها السماوات والأرض يوم القيامة لا في الحال . عن أبي بكر أحمد بن عليّ ، مع تسليم أنّها في السماء . أقول : الظاهر من هذه الأجوبة أنّهم كانوا ملتزمين بأنّ الجنّة والنّار أمر ماديّ لا بدّ لهما من المكان ولا مناص من الاحتكاك فإذن طلبوا المكان لهما ولم يجدوا لهما مكانا في الأرض ولا في السماء فذكروا هذه الفرضيات . وأجاب عن هذا الإشكال في الأسفار 9 / 202 ، وقال : فالجواب - كما يستعلم من الأصول المؤسّسة عن أصل هذه الشبهة ، وقلع مادتها ، وفسخ صورتها - هو أن يقال على منهج أبحاث المتألّهين وطريقة أنظار السالكين إلى اللّه بأقدام المعرفة واليقين : إنّ حجّتكم هذه مبنيّة على أنّ للجنّة والنّار مكانا من جنس أمكنة هذه الدّنيا ، لكن أصل إثبات المكان على هذا الوجه للجنّة والنّار باطل . فالشبهة منهدمة الأساس ، منحسمة الأصل . وممّا يوضح ذلك حسب ما مضت الإشارة إليه أنّ عالم الآخرة تامّ لا يخرج عنه شيء من جوهره ؛ وما هذا شأنه لا يكون في مكان . وقال فيه أيضا / 335 : قد علمت أنّ النشأة الآخرة نشأة متوسطة بين المجردات العقليّة وبين الجسمانيات الماديّة ، وكلّ ما فيها صور محسوسة مدركة بقوّة