محمد باقر الملكي الميانجي
32
مناهج البيان في تفسير القرآن
والقبائح ، مجدهم كي يعيشوا مستقلّين ومتمكّنين في الأرض بالعزّ والكبرياء . ثمّ شرع في تحذيرهم وتخويفهم من أن يكونوا مثل الأمم الماضية الذّين سلّطوا على أنفسهم الشّهوات ، وخاضوا في الفسوق والفجور ، وانحرفوا عن هداية الدّين ، وتشعّبوا شعبا وتحزّبوا أحزابا ، فذلّوا بعد عزّتهم ، وافتقروا بعد غناهم ، وصاروا خائفين بعد ما كانوا آمنين ، فسلب اللّه منهم نعمة العزّة والقدرة والعظمة فجعلهم عبرة للمعتبرين وعظة للمتّعظين . فالآيات الكريمة كلّها متّسقة الدلالة ومتّحدة المفاد ، مرتبط أوّلها بآخرها وآخرها بأولها ، وهي جميعا نصيحة وتذكرة بوحدة الكلمة وحفظ الألفة . قال في الميزان 3 / 412 : قوله تعالى : « وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ » ، لا يبعد أن يكون قوله : « مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ » متعلّقا بقوله : « وَاخْتَلَفُوا » فقطّ . وحينئذ كان المراد بالاختلاف : التفرّق من حيث الاعتقاد ، وبالتفرّق : الاختلاف والتشتّت من حيث الأبدان . وقدّم التفرّق على الاختلاف لأنّه كالمقدّمة المؤدّية إليه . . . فكأنّه تعالى يقول : لا تكونوا كالّذين تفرّقوا بالأبدان أوّلا ، وخرجوا من الجماعة ، وأفضاهم ذلك إلى اختلاف العقائد والآراء أخيرا . أقول : هذا التوجيه لا يلائم الآية الكريمة ، لأنّ الآية في بيان تفرّق الأمّة الواحدة فرقة فرقة وتحزّبها أحزابا مختلفة ، وهذا يكون مع اجتماع الأبدان وافتراقها أيضا فلا يكون تفرّق الأبدان منشأ لاختلاف العقائد . بل الظاهر أنّ المراد من ذكر الاختلاف بعد التفرّق هو الإصرار على التفرّق وإدامته . بعبارة أخرى : التفرّق هو أوّل مرتبة من تجزئة الأمّة الواحدة والانقطاع عمّا يعتصمون به ، والاختلاف هو مرتبة التظاهر والمنازعة . قوله تعالى : « مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ » . أي : كان الاختلاف بعد البيان والضلالة بعد الحجّة . وهذا الاختلاف عصيان متعمد ارتكبوه بعد وضوح الحقّ . فهذا الاختلاف ليس هو الاختلاف الضروري