محمد باقر الملكي الميانجي

76

مناهج البيان في تفسير القرآن

يُضِلُّ » . [ النحل ( 16 ) / 37 ] قوله تعالى : « وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » . المستفاد من الكتاب والسنّة أنّ الدّعوة الإسلاميّة ، وسنّته - تعالى - الحميدة الحكيمة في إرسال الرسل ، وإبلاغ الأنبياء إنّما هي بعد هدايته - تعالى - الخلق إلى نفسه ، وإلى عدّة مهمّة من أصول الديانة ، الّتي إليها تنتهي فروعاتها ، وعليها تتكّي جزئيّاتها ، فالأنبياء لا يدعون الناس إلى أمر مجهول ؛ لتحتاج عامة الناس في نيله وفهمه إلى التدريس والتعليم ، بل أساس دعوتهم التذكرة ورفع الغفلات ، وإخراج دفائن عقولهم إليهم ، فدعوة الأنبياء في مرحلة التشريع والبلاغ ، والموعظة والنصيحة ، مطابقة لسنّة التكوين ، والجاحد والمخالف إنّما يجحد ويخالف سنّة التشريع والتكوين ويعاندهما بعد هدايته تعالى ، وبعد تكميل الحجج وتواتر البيّنات عنده ، فإنّ اللّه قد ألهمه فجور النفس وتقواها تشريعا وتكوينا ، ثمّ بعد إدبار الناس ومخالفتهم وجحودهم قد استحقّوا من اللّه الهوان والخذلان ، والرّين والختم والطبع ، فله - تعالى - أن يعاملهم بعدله ويحكم عليهم بالحرمان ، وله أيضا أن يرحمهم بفضله وكرمه ، ويهدي من يشاء إلى ما يشاء . فالظاهر أنّ الهداية في قوله تعالى : « لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » هي الهداية بعد الإدبار والمخالفة والجحود ، وإن كانت الهداية العامّة الأولى أيضا من سنّة اللّه الجميلة الحميدة ، إلّا أنّ الهداية الأولى كانت عامّة ، وقد شاء هدايتهم أجمعين . قال تعالى : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . [ الروم ( 30 ) / 30 ] فهذا هو الصراط السويّ ، والدّين القيّم ، والمنار الواضح ، ولكنّ الناس ولّوا عنه مدبرين ، وفي عين إدبارهم عنه لم يتمكّنوا من إبطال الحجج البالغة ، فإنّ الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ، فقد هلك من هلك عن بيّنة وحجّة في بدو هلاكه وإدامته ، إلّا أنّه يحتاج إلى هداية خاصّة من اللّه - سبحانه - أيضا ، وهو