محمد باقر الملكي الميانجي
244
مناهج البيان في تفسير القرآن
فيه أيضا من هذا القبيل فإنّ المسيح عند أوّل تكلّمه قال : « إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا » . فتكلّمه إعجازا عين إدّعائه النبوّة ، وادّعاؤه النبوّة عين إثباتها . على أنّه يمكن أن يكون تكلّمه عليه السلام في المهد إخبارا عن النبوّة المجعولة المحقّقة في حقّه على ما يدلّ عليه قوله : « وَجَعَلَنِي نَبِيًّا » . قوله تعالى : « وَمِنَ الصَّالِحِينَ » . ( 46 ) أي من جملة الأولياء الصالحين . حال من الكلمة ؛ وهو عيسى بن مريم عليه السلام . قوله تعالى : « قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ » . الظاهر أنت الخطاب مع اللّه - تبارك وتعالى - لا مع الملائكة المبشرين كما بيّناه . والجواب أيضا منه - تعالى - بخلاف الآيات الّتي في سورة مريم في بيان قصّتها ، فانّ الظاهر منها أنّ الكلام من الروح الممّثل لا من اللّه ولا من الملائكة المبشّرين . والجواب أيضا من الروح الممّثل . قال الروح في جواب مريم : « قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ » . [ مريم 19 / 21 ] وأسند الجواب إلى اللّه - تعالى - ولم يسند إلى نفسه ؛ وهذا نصّ في أنّ المخاطب هو الروح والكلام معه . وهذا السؤال ، سؤال استيضاح واستبصار لا استنكاف واستنكار ، فإنّها كانت صدّيقة عارفة بمقام الربوبيّة وشؤون الألوهيّة . . وقياس الموقف وأهميّة هذه الآية العظيمة بالنسبة إلى موقف زكريّا وبشارة الولد به ممّا لا يخفى ، فإنّه قد سأل زكريّا آية زيادة للاستبصار وتحصيلا للطمأنينة ، والسكينة الإلهيّة بخلاف مريم فإنّها تأيّدت بتأييد وتسديد ربّانيّ ، فاستغاثت إلى ربّها واستوضحت من عجيب شأنها ، فهنيئا لها قد شرّفت بخطاب ربّها وحلّ مشكلتها ، وتثبيت كرامتها على خالقها ومكانتها من اللّه سبحانه ، فإنّه - تعالى - خاطبها بقوله : « قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » . ( 47 ) [ مشيئة تعالى وقانون العلّيّة والمعلوليّة ] يعني أنّ جريان أمر الخلق من مسير الأسباب والعلل ، ليس بحيث يجب أن يتحقّق المشاء والمقضيّ بواسطة الأسباب والعلل ، بأن يكون قانون العلّيّة والمعلوليّة