محمد باقر الملكي الميانجي

245

مناهج البيان في تفسير القرآن

حاكما على المشيئة والقضاء ، بل حقيقة الأمر أنّ الأسباب والعلل ، وجميع ما في طولها من الأعيان والحقائق بالنسبة إلى المشيئة والقضاء على عرض واحد . وتنظيم أمور العالم بالأسباب والعلل إنّما هو لحكمة اقتضت وترجيح ورأي منه - سبحانه - اختار به . ومن الواضح أنّه لا تتعيّن ولا تنحصر الحكمة والترجيح بها بطور واحد ونهج فارد ، لكون القدرة والعلم مطلقين بالنسبة إليها وغيرها ، وعدم تعيّن أحدهما بشيء من المعلوم ، بل الّذي لا بدّ منه هو أن تكون الأمور وتتحقّق بالمشيئة والقضاء ، فالاستئناس بخلقة الأعيان من مجاري الأسباب والعلل نظرة عامية ناشئة من الغفلة ، وعدم التوجّه إلى سعة قدرته - تعالى - وعلمه . والحكم بأنّ نظام الأسباب والعلل هو بعينه نظام علمه - تعالى - ومعلول لعلمه سبحانه ، يوجب كون العلم والقدرة متعيّنين ومحدودين بما يحصل من مسير الأسباب والعلل ، ولكنّ اللّه صرّح بأنّ ما يخلق لا بدّ من أن يكون بالمشيئة والقضاء كائنا ما كان ، سواء كان عن سبب مستند إلى المشيئة أم عن المشيئة من دون السبب . والفرق بين هذه الآية وقوله تعالى : « قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا » . [ مريم ( 19 ) / 21 ] أنّ الآية المبحوث عنها في مقام شرح سنّة اللّه الحكيمة القيّمة في باب الصنع والإيجاد ، وتوضيح مسألة غامضة من المعارف الإلهيّة ، وبيان حدوث المشيئة ، وإبطال كون المشيئة أزليّة ، وكونها مصداقا للعلم ، وبيان أنّ بعد المشيئة الحادثة لا بدّ من القضاء ، والمشيّة محلّ القضاء لا تأثير لها في وقوع الفعل قبل القضاء ، كما أنّ القضاء لا بدّ فيه من الأمر والإذن والإمضاء بقوله : « كُنْ » . فما لم يلحقه أمر لما يقع في الخارج ولما يتمّ أمر الخلقة ، فلا بدّ من تقييد إطلاق الآية في أمر الخلقة بالإرادة والتقدير أيضا ، فإنّ العلم حيث لا تناهي له لا بدّ فيه من المشيئة أي تعيّن ما ، ثمّ الإرادة ثمّ التقدير ثمّ القضاء ثمّ الإمضاء . والقرآن الكريم اتّكل في بيان هذا المورد على البيان المنفصل كما في غيره من الموارد . قال تعالى : « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » . [ يس ( 36 ) / 82 ] « إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ » . [ القمر ( 54 ) / 49 ]