محمد باقر الملكي الميانجي
231
مناهج البيان في تفسير القرآن
بها في الشرع وعند العقل . ولا فرق في ذلك بين المؤمن وغيره ، ولا بين المؤمنين الكاملين ومن دونهم ، فأعرفهم بالآيات أعرفهم باللّه وأنورهم إيمانا ، بداهة عدم تحديد المعرفة بالآيات وما يحصل منها من المعارف بحدود الأشخاص ، فكلّما كان المتدبّر أفقه وأحكم وأبصر كانت المعرفة أنور وأجلى . فهذا الطريق سلكه المؤمنون والأنبياء والمقرّبون . قال تعالى : « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » . [ البقرة ( 2 ) / 164 ] وأيضا كلّما كانت الآيات أعظم ، ولطائف الصنع وآيات القدرة والحكمة أتقن وأعجب ، كانت المعرفة به - تعالى - وبنعوت ذاته وكمالاته أجلّ وأبهى . وبما ذكر يعلم أنّ زكريّا عليه السلام لمّا شاهد مريم ، وما خصّه - سبحانه - بها من الكرامات الباهرة ، والمواهب العجيبة وإنباتها نباتا حسنا في غاية الحسن والبهاء ، والعظمة والضياء ، وشاهد أنّ اللّه سلك بها مسالك الصدّيقين ، وولّاها ولاية المتّقين ، وربّاها تربية المصطفين ، امتلأ قلبه - بمشاهدة هذه الآيات العظام - سكينة وطمأنينة ونورا وعرفانا وسكونا بأنّ كرامة اللّه لا تحدّ ، وليس وقفا خاصّا لقوم دون آخرين ، فسأل ربّه أن يرزقه ولدا ذكرا صالحا كريما على اللّه تعالى وذا مكانة وقرب عنده سبحانه . فإن قلت : إنّ لازم ذلك أن لا يكون زكريّا عليه السلام عالما وعارفا بأنّ اللّه تعالى يقدر ويفعل أفعالا خارقة للعادة . قلت : لا بدّ للمفسّر من أن يعرف ويفهم المواقف الّتي دعا فيها المخلصون والموحّدون وسألوا فيها ربّهم . فقول إبراهيم عليه السلام : « رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » . [ البقرة ( 2 ) / 260 ] ينبغي للمفسّر أن يعرف الموقف الّذي وقف فيه إبراهيم عليه السلام ، لا الحكم بعدم عرفانه وإيمانه بإحياء الموتى .