محمد باقر الملكي الميانجي
232
مناهج البيان في تفسير القرآن
ثمّ إنّ البحث عن « هُنالِكَ » أنّه هل للزمان أو للمكان ، ليس بشيء ؛ وإنّما هو إشارة إلى الموقف المنوّر ، الّذي وقف فيه زكريّا ، غاية الأمر أنّه لا ينفكّ عن الزمان والمكان . ولا يخفى أنّ الّذي حثّ زكريّا على أن يدعو ربّه بما دعا ، هو مشاهدة هذه الآيات العجيبة والكرامات الباهرة ، الّتي أفيضت على مريم بحيث صارت هي من الآيات ، كانت تقوم في محرابها ، ويضيء المحراب بنورها . قوله تعالى : « قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً » . قد تقدّم تفسير الذريّة وأنّها تطلق على الواحد والكثير ، والطيّب ما يقرب معناه من الطهارة . ويستعمل كثيرا في الموارد الّتي استعملت فيها الطهارة . قال تعالى : « فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا » . [ مريم ( 19 ) / 5 و 6 ] فقوله تعالى : « رَضِيًّا » حكاية عن دعاء زكريّا ، قريب من دعائه عليه السلام في المقام ، كما أنّ الحنان والزكاة من اللّه - سبحانه - متوجّه إلى يحيى . فالأقرب والأحرى في تفسير الطيّب هو أنّ زكريّا دعا ربّه أن يهب له ولدا فائزا بكراماته ، ومعصوما بعصمته ، ومتحصّنا في حصن ولايته ، كريما على اللّه ، وذا مكانة عنده جلّ ثناؤه ، فاستجاب اللّه دعوته وأعطاه سؤله وأمنيّته فوق رغبته ، ووهب له يحيى صدّيقا نبيّا أشبه الناس بعيسى عليه السلام ، ومصدّقا وسيّدا وزاهدا حصورا . قوله تعالى : « إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ » . ( 38 ) قد تقدّم في قوله تعالى : « إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » * ، أنّ الظاهر من السميع ليس علمه بالمسموعات ، بل الظاهر تمجيده - تعالى - بإجابة دعاء الداعين ، ولكن في المقام يمكن أن يكون تمجيدا له تعالى بعلمه لمسألة السائلين . قوله تعالى : « فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ » . النداء من الملائكة صريح الآية الكريمة ، وليس في الآية ما يدلّ على أنّ