محمد باقر الملكي الميانجي

213

مناهج البيان في تفسير القرآن

فلا بدّ من التفكّر والتدبّر والخضوع عند قراءة هذه الآيات كي يجد القارئ حلاوة مخاطبة اللّه - تعالى - لعباده الصالحين ومزيد لطفه وإكرامه لهم ، وحينئذ ينشرح صدره للإيمان ، وتنزل السكينة عليه ، ويحصل له الإذعان للّه - تعالى - بأنّه هو البارّ الوصول العطوف ، وهذا عين المعرفة باللّه بلحاظ عطفه وحنانه . وتشتدّ هذه السكينة الإلهيّة لدى القارئ ويزيده اللّه هدى على هداه ، ويقلّب قلب المؤمن بما يشاء ، ويكرمه بالمزيد من نعمه . وحينئذ يرجو من فضله - تعالى - أن يوقع في قلب المؤمن حبّه ، فمن البعيد جدّا عند تحبّبه - تعالى - لعبده وتعريفه نفسه ، وتودّده بآيات تطوّله وحنانه وإكرامه ، أن لا يشرح صدر عبده بحبّه ، فحينئذ يتلاقى الحبّان ، وقلّما ينفكّ أحد الحبّين عن الآخر ، فمن استأنس بحريم القرب ، وتمكّن من موقف الأنس ، لا يجوز له الاسترسال واللّعب والتغزّل ، والوجد والسماع ، كما هو دأب المبتدعة من الصوفيّة ، وهذا دليل على احتجابهم وخذلانهم ، وشدّة حماقتهم وجهالتهم وبلادتهم . وبديهيّ أنّ هذا خلاف السيرة المسلّمة من الأوصياء والأنبياء عليهم السلام ، وإهانة لعظمة المقام وخطر الموقف ، وعذرهم بفنائهم في اللّه ، وغفلتهم عن الدّنيا الدنيّة وما فيها ، وهو أشنع من جرمهم . وبهذا تتبدّل السكينة بالقسوة ، والأدب باللّعب ، فمن الواجب بضرورة العقل البديهيّ على الّذين أكرمهم اللّه - سبحانه - بالتشرّف بين يديه ، وقرّبهم من حريم قدسه ، أن يراقبوا جلال اللّه ، وأن يتواضعوا لكبريائه تواضع الخائفين القانتين ، وأن يبالغوا في مراعاة آداب الحضور من التسبيح والتقديس والتمجيد . فتحصّل أنّ حبّه - تعالى - لعباده ، ومحبّة العباد لربّهم ، متوقف على التمكّن التامّ ، والتثبّت الكامل في مقام الطاعة والتقوى . والآية الكريمة في مقام تقييد الطاعة والتقوى باتّباع الرّسول - صلّى اللّه عليه وآله الطاهرين - عليهم السلام - فدعوى الحبّ للّه من دون اتّباعهم هي دعوى غير صحيحة ، بل ردّ وإنكار على اللّه في أعظم فريضة من فرائضه . الرابع : تبيّن ممّا ذكرنا أنّ مفاد الأدلّة : هو إثبات محبّة اللّه بالآيات والعلامات الدالّة عليها ، خارجة عن الحدّين من غير تصوّر وتشبيه وتحديد ، ومرجعه تعالى