محمد باقر الملكي الميانجي
214
مناهج البيان في تفسير القرآن
تعريفه - تعالى - نفسه ، وتحبّبه بإعمال برّه وصلته وإحسانه . وهكذا محبّة العباد لربّهم ، مرجعها معرفة العبد ربّه أنّه - سبحانه - يكرمه ويشرّفه ويصطفيه بكرامات خاصّة ومواهب عظيمة ، فيقلّب قلب المؤمن بخواطر توجب تعظيما وإقبالا وسكينة خاصّة ، وهذا لا يفي به البيان . وكلتا المعرفتين سواء تتلاقيان أو لم تتلاقيا في عين شدّة المعرفة واليقين ، لا طور ولا كيف لهما بحسب الواقع ، ولا توصفان أبدا ، فإنّ قلب المؤمن بين إصبعي الرحمان . كما أنّه لا توصف معرفة العبد للّه - تعالى - بألوهيّته وكبريائه وجلاله وعظمته ، إذ ليس هذا إلّا فعلا من أفعاله - تعالى - قد تفضّل به على عباده ، فلا كيف ولا طور لفعله ، كما لا كيف ولا طور لذاته وأسمائه وصفاته . ولا نهاية لذاته ونعوته وأفعاله . ومن هنا يعلم أنّ القول بالسنخيّة بين محبّة الإنسان بالأمور الواقعة تحت اختياره وعلمه من الأمور الدنيويّة الماديّة ، وكذلك غيرها من الأمور المعلومة له وبين محبّتهم للّه تعالى ، لا يرجع إلى معنى محصّل . قوله تعالى : « وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ » . الغرض المسوقة له في الآية بيان منشإ حبّ اللّه - تعالى - وغفرانه ورضوانه ، فقد جعل اللّه - سبحانه - حبّه وغفرانه لمن أطاعه باتّباع رسوله صلّى اللّه عليه وآله . وقد تقدّم عن عليّ عليه السلام في خطبة الوسيلة حيث قال في قوله تعالى : « قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي » : فاتّباعه صلّى اللّه عليه وآله محبّة اللّه ، ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز ، ووجوب الجنّة . . . قوله تعالى : « وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . ( 31 ) الظاهر أنّ الغفران والرحمة متفرّعان من المورد . وإرداف الرحمة بالغفران قرينة على عدم الإطلاق في الرحمة لغير مورد الغفران ، فيكون متعلّق الرحمة أهل الإيمان فقط ، فالمرحومون ليسوا إلّا المغفورين فقطّ . وقد تقدّم في تفسير سورة الفاتحة أنّ الرّحيم من أسمائه - سبحانه - لوحظت فيه عنايته لعباده المؤمنين من الرحمات الخاصّة لهم في الدّنيا والآخرة بلحاظ إيمانهم وإسلامهم ، وأمّا الرحمة الّتي