محمد باقر الملكي الميانجي
208
مناهج البيان في تفسير القرآن
المعرفة عند سماع قوله تعالى : « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » : بحقّ يحبّهم فإنّه ليس يحبّ إلّا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه ، فلا يتجاوز حبّه ذاته وتوابع ذاته من حيث تعلّقها بذاته ، فهو إذن لا يحبّ إلّا نفسه ، انتهى كلامه . ولمّا كان الابتهاج عبارة عن نفس الإدراك وإدراكه سبحانه للأشياء وعلمه بها وصدورها عنه على نحو من الترتيب ، فكلّ ما هو أقرب منه وأشرف وأكمل في سلسلتي البدء والرجوع فهو أحبّ إليه . وقال في الأسفار 7 / 183 : فعلم أنّ العشق الجامع لكلّ معشوقات الأشياء على ثلاثة أنحاء : الأكبر والأوسط والأصغر ، فالعشق الأكبر عشق الإله جلّ ذكره ؛ وهو لا يكون إلّا للمتألّهين الكاملين الّذين حصل لهم الفناء الكلّي ، وهؤلاء المشار إليه في قوله تعالى : « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » . فإنّه في الحقيقة ما يحبّ إلّا نفسه لا غيره ، فالمحبّ والمحبوب في الطرفين شيء واحد . . . أقول ؛ المتحصّل من كلماتهم أنّ اللّه - تعالى - حيث أدرك أنّه مبدأ كلّ جمال وزينة وبهاء ، ومنشأ كلّ حسن ونظام ، ابتهج بإدراك ذاته ، ومعلوم أنّ المدرك كلّما كان أجمل وأبهى كان الابتهاج أشدّ وأقوى وأجلّ ، فابتهاجه تعالى بإدراك نفسه أشدّ وأجلّ . وإذا ثبت ابتهاجه بذاته ثبت ابتهاجه وحبّه بلوازم ذاته وآثاره ، إذ ابتهاج ذاته ليس إلا من جهة إدراك أنّه مبدأ كلّ هذه الآثار ، فلا محالة يكون حبّ ذاته هو بعينه حبّ لوازم ذاته وآثاره الصادرة عنه ، ويكون ابتهاجه وحبّه - تعالى - ذا مراتب تشكيكيّة باعتبار مراتب آثاره تعالى في الجمال والبهاء ، فما تكون مرتبته أقرب إليه - تعالى - يكون حبّه تعالى له أشدّ ، كما أنّ صدوره عنه - تعالى - كذلك حتّى قالوا : لو لم يكن عشق لما يوجد موجود كما قالوا في الإنسان : إنّه لو لم يوجد في الإنسان شوق لم يصدر منه فعل . هذا خلاصة ما قالوا في محبّة اللّه - تعالى - لعباده ومحبّة العباد لربّهم ، ولا مسوّغ لإطالة الكلام في المقام في بحث التفسير ، والغرض من إيرادها في المقام هو التذكرة للدارسين كي يواظبوا ويراقبوا أنفسهم أن لا يقعوا في هذه الشبهات المظلمة الموهومة ، وأن يحترزوا من تصوّره - سبحانه - بهذه الفرضيّات الّتي لا سبيل إلى