محمد باقر الملكي الميانجي
193
مناهج البيان في تفسير القرآن
من المرزوقين ليسوا بمؤمنين باللّه بل إنّ كثيرا من أهل الإيمان أيضا لا يراعون حدود الأحكام ، وتجاوزوها وطلبوا الرزق من غير الطريق الذي أحلّه اللّه ، فلا بدّ من تقدير ثان للأرزاق في مرتبة العصيان والطغيان ، فقد جرت سنّة اللّه الحكيمة بإبقاء هذا العالم وهذا الكيان إلى مدّة معلومة مقدّرة ، ولا يقطع عنهم موادّ رزقه سواء أطاعوه أم عاندوه وخالفوه . وقد عبّر عن هذه السنّة المقدّسة بالرحمانيّة العامّة الشاملة للبرّ والفاجر ، والمؤمن والكافر . وواضح أنّ هذا العطاء العام ما لوحظ فيه الحنان والعطف والإكرام فحسب بل يشمل الخزي والخذلان ، والإمداد والاستدراج والهوان ، فقوله تعالى : « وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ » تمجيد للّه سبحانه بالرزّاقيّة ، فلا يمكن سريان إطلاقه بالنسبة إلى المخذولين أيضا فإنّ إرزاق المخذولين إنّما هو من ناحية العدل الإلهي وجلاله لهوانهم وخزيهم ، بخلاف إرزاق المخذولين فإنّه حنان وعطف وكرامة عليهم ، فقد أغناهم اللّه بحلاله عن الحرام . فالمتناسب في المقام هو تمجيده - سبحانه - بالفضل والكرم ، وهي سنّته الأوّليّة والقدر المتيقّن ، بخلاف الهوان والخذلان فإنّه في مرتبة متاخّرة عنها ، وبعد تحقّق الكفران والعصيان فيحتاج تفسير الآية بها إلى مؤونة زائدة وعناية أخرى . ويحتاج أيضا إلى عدم إرادة الرزق المشروع الحلال ، وهو كما ترى . فتلخّص أنّ الظاهر بحسب القواعد وبمعونة ما سيجيء من الروايات المأثورة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام أنّ الرزق المقدّر بما يشاء كيف يشاء في الآية الكريمة هو الرزق الحلال بغير حساب . في الكافي 2 / 74 ، عن العدّة مسندا عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في حجّة الوداع فقال : يا أيّها الناس واللّه ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النّار إلّا وقد أمرتكم به . وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلّا وقد نهيتكم عنه . ألا وإنّ الرّوح الأمين نفث في روعي أنّه لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها ، فاتّقوا اللّه وأجملوا في الطلب ، ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرزق أن يطلبه بغير حلّه ، فإنّه