محمد باقر الملكي الميانجي
172
مناهج البيان في تفسير القرآن
أي إن يجادلوك استنادا إلى شيء من أباطيلهم فقل : أسلمت نفسي للّه سبحانه وتوكّلت عليه ، وكذلك من اتّبعني من المؤمنين ، فإنّهم يعتمدون ويلتجئون إلى أمان اللّه وحفظه وحرزه الحصين من شرور الظالمين ومكائدهم . قوله تعالى : « وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ ، أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ » . الآية الكريمة مسوقة لتوبيخ أهل الكتاب والأميّين منهم بقوله : « أَ أَسْلَمْتُمْ . . . » . فإنّ الاستفهام لتوبيخهم وتقريعهم على كفرهم وإصرارهم على الإعراض والإدبار عن الحقّ المبين . فإن أسلموا وأقبلوا إلى الحقّ فقد اهتدوا ، وتشرّفوا وسعدوا بقبولهم الحقّ والخضوع في قباله ، وفازوا فوزا كريما . وإن أعرضوا واستكبروا ولم يؤمنوا بدعوتك المباركة فلا يضرّك شيئا ، فقد نصحت وبلّغت وأدّيت ما عليك من البلاغ ويجزيك اللّه سبحانه جزاء الهادين المحسنين . قوله تعالى : « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » . ( 20 ) أي ما يعملون من الأعمال والأفعال بعين اللّه - سبحانه - وبمرأى ومنظر منه فلا يخفى عليه . ويجازي المؤمنين العاملين ثواب المطيعين المحسنين ، فإنّ اللّه سبحانه شكور لا يضيع لديه أجر المحسنين . قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » . ( 21 ) الظاهر أنّ المراد من الكفر في الآية الكريمة هو كفر الجحود سواء كان كفره بجهة اعتقاده بالدهر والطبيعة بناء على ظنّه وتخرّصه الموهوم ، وعدم تعقّله وتفكّره في آيات التوحيد والبراهين القائمة عليه أم كان جحوده وكفره بما استيقن من الحقّ الواضح عنادا وتعزّزا واستكبارا ، وإشباعا لآماله الخبيثة وإرضاء لشهواته . والظاهر أنّ المراد من الآيات هو عموم الآيات سواء أكانت تكوينيّة أو تشريعيّة . وحيث إنّ الكفر بآيات اللّه هو العناد واللّجاج به ضد الحقّ الواضح والعلم الباهر المبين كما أنّ قتل الأنبياء والآمرين بالقسط من ثمرة هذا الكفر ونتيجة هذا الاعتقاد ، وحيث إن قتل رجال العدل والإصلاح ، أعظم فسادا في الأرض