محمد باقر الملكي الميانجي
173
مناهج البيان في تفسير القرآن
وأكبر جناية على عامّة البشر ، فإذن لا يكون الحكم المستفاد من الآية الكريمة إلّا حكما عقليّا ضروريّا سيق لتذكير العقول وتنبيه الناس . فهذا الحكم في الآية المباركة من البشارة بالعذاب الأليم ، حكم كليّ عقليّ ينحلّ بانحلال موضوعه وينطبق عليه . فإن قيل : إنّ الآيات الكريمة كلّها كذلك حيّة لا تموت تجري ، كما يجري اللّيل والنهار ، وكما تجري الشمس والقمر ، فما الفرق فيما ذكرتم بين هذه الآية وغيرها من الآيات ؟ قلت : المراد إيجاد الفرق بين الأحكام العقليّة الضروريّة والأحكام الشرعيّة المجعولة ، فإنّ الحكم الكلّي الشرعي المجعول النازل لجماعة ينحلّ على موضوعه الخاصّ بشرط عدم النسخ ، والحكم العقليّ الضروريّ ثابت قبل النزول وبعد النزول ، وليس قابلا للنسخ والرفع فلا محصّل لشأن النزول في هذا القسم إلّا الوعيد والاحتجاج على المرتكبين وتوبيخهم والتذكير والنصح لغيرهم ، وتنفير عامّة البشر عن ساحة هؤلاء الخبثاء الأرجاس ، سواء أكانوا هم اليهود قتلة الأنبياء أم آل حرب قتلة الربانيّين والصدّيقين . نعم تحديد عذابه ونكاله - تعالى - المعدّ لهم وأخذه إيّاهم أخذ عزيز مقتدر بإعمال عدله وسخطه بما يشاء ويريد ، لا يكون العقل كاشفا عنه ، وإنّما العقل يكشف عن استحقاق العقوبة والهوان . وقوله تعالى : « بِغَيْرِ حَقٍّ » توصيف وتوضيح للجملة السابقة ، وليس بقيد ، فلا مفهوم له . فإنّ قتل الأنبياء لا يكون إلّا عدوانا وبغير حقّ . قوله تعالى : « أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ » . [ الحبط ] الحبط في اللّغة بمعنى البطلان ، فيكون الحبط في الآية بالنسبة إلى أعمال الكفّار وقتلة الأنبياء هو البطلان الفقهي ، أي لم تنعقد لهم من رأس ؛ لفقدان شرط الصحّة ؛ وهو الإيمان والتقرّب إلى اللّه سبحانه . فإنّ أعمالهم من الحسنات الاجتماعيّة كسدّ الثغور وتأمين الطرق ، وتعمير المستشفيات وأمثالها ، وكذلك حسناتهم الانفراديّة كالبرّ بالأرحام والفقراء والمستضعفين ، وإن لم يكن من الأعمال التعبديّة القربيّة مثل الصلاة وأمثالها ، غير أنّهم لم يتقرّبوا بها إلى اللّه ولم يقع منهم عمل للّه ،