محمد باقر الملكي الميانجي

145

مناهج البيان في تفسير القرآن

قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ . . . » . الآية الكريمة صريحة في انقسام الكتاب إلى المحكم والمتشابه ، وفيها تصريح أيضا بأنّ الآخذين بالكتاب والمتمسّكين به - بلحاظ الاعتقاد والعمل به - قسمان أهل زيغ وأهواء وانحراف . والراسخون في العلم ، المستضيؤن بنور العقل . أمّا الزائغون فيبغون سبيل الحقّ وصراط الصدق عوجا ، فيتّبعون ما تشابه من الكتاب طلبا للفتنة ، ولهم بغية أخرى أسوء عاقبة وأشدّ ضررا على الدّين وأهله ؛ وهو التعرّض لتأويل الكتاب محكمه وظاهره ومتشابهه ، يؤوّلونه حسب ميولهم وطبق آرائهم ، يحرّفون الكلم عن مواضعه ، ويغيّرونها عن مجاري الإفادة والاستفادة ، ويغيّرون أيضا مناهج الإفهام بالمغالطات كي تنطبق على ما أخدوه من المتشابهات ، فيقيمون بذلك عماد ضلالهم وكفرهم . وأمّا الراسخون في العلم فيعرفون أنّ القول بغير علم جناية بالضرورة ، وأنّ تحريف الكلم عن مواضعه كفر بآيات اللّه - سبحانه - بالبداهة ، فسبيلهم السكوت عمّا لا يعلمون من المتشابه ، والقيام بما عرفوا وعلموا من الدّين ، والإيمان بما علموا وبما لا يعلمون . والظاهر أنّ الآية الكريمة ليست في مقام إثبات علم التأويل للّه فقط ، بأن يختصّ اللّه - تعالى - بعلم التأويل من دون إفاضته على أحد من عباده من الرسل المكرّمين والملائكة المقرّبين ، مثل اختصاصه - تعالى - بعلم الساعة واستئثاره به . بل الظاهر أنّ الآية الكريمة في مقام بيان : أنّ العلم بتأويل الكتاب خارج عن حدود التعاليم العادية لكلّ أحد . وليس كلّ الناس محجوجين ومسؤولين في مقابل التأويل