محمد باقر الملكي الميانجي

108

مناهج البيان في تفسير القرآن

ولحكم أصل المعاملات المؤجّلة ، بل يجب الفحص والبحث عن القيود والشرائط على ما هو المقرّر في محلّه . ولا يخفى أنّ الحكم بالكتابة بين المتعاملين ليس من الأحكام التكليفيّة التعبّديّة ، بل من الأحكام الوضعيّة الإرشاديّة الّتي لا يترتّب على الإخلال به معصية شرعيّة غير ما يترتّب عليه من ضياع الأموال ، ووقوع التنازع والتخاصم بين المتعاملين ، ووقوع الحيرة والترديد عند نسيان المدّة المضروبة ونسيان الدين ، ولا سيمّا عند موت أحد المتعاملين أو كليهما . وقوله تعالى : « وَلْيَكْتُبْ » أمر ثان بالكتابة ، متوجّه إلى الحكم الأوّل ، وتوطئة لتصريح أنّ الكاتب لا بدّ من أن يكتب بالعدل من غير انحراف في مفاد الكتاب ومحتوياته ، فإنّ العدل في اللّغة بمعنى الاستقامة والاستواء . والمراد من كون الكتابة بالعدل ، أي أن يكون الكاتب بصيرا بسنن الكتابة وتنظيم جريان الحوادث على وجه مبيّن ، ويكون عالما بموارد الذلّة وما يوجب الارتياب في مفادها ، ويكون عالما بأصول الحقوق أيضا ، ويكون مؤتمنا وموثّقا لئلّا يرتاب فيه ولا يظنّ به ظنّ السوء ، وإلّا لكان قليل الجدوى وعديم الفائدة . قوله تعالى : « وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ » . هذا الحكم تكليفيّ . ولا منافاة بين كون أصل الحكم إرشاديّا ووضعيّا ، وكونه بالنسبة إلى الكاتب والشاهد تكليفيّا ، فليس للكاتب الإباء والامتناع من الكتابة ، ويجب عليه أن يكتب الكتاب بحيث يكون حاكيا لجزئيّات الحوادث طبق ما أملى عليه من عليه الحقّ بيّنا شافيا ، ولا يكون فيه تحريف للكلم عن مواضعها . فقد نهى اللّه - سبحانه - عن الإباء والامتناع من الكتابة ، فوجوب الكتابة - عقلا - متوقّف على استظهار التحريم من قوله تعالى : « وَلا يَأْبَ » وسيجيء - إن شاء اللّه - ما يدلّ على المقصود في قوله تعالى : « وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا » . قوله تعالى : « فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ » . قال في لسان العرب 13 / 497 : السفه والسفاه والسفاهة : خفّة الحلم . . .