محمد باقر الملكي الميانجي
69
مناهج البيان في تفسير القرآن
ولعلّ العناية فيه أنّ إبراهيم عليه السّلام حيث أنزلهم موقع الاستيضاح والاستنطاق نزّلهم موقع أولي العقل والعلم . قوله تعالى : « يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ » . لا خفاء أنّ عبدة الطاغوت وأولياء الفراعنة يظهرون لهم من الانقياد والإطاعة ما كان مقدورا لهم وفي وسعهم ، وكلّما كان مقامهم أقرب كان التملّق والخضوع أشدّ بحيث لاإرادة لهم في جنب إرادتهم وحيث إنّهم يتمتّعون بدنياهم ويرتعون في مرعاهم يحبّونهم بحبّ أنفسهم ويحسّنون جميع ما يصدر منهم من جناياتهم . وهذا باب واسع يختلف باختلاف أغراضهم وآمالهم الّتي تنشأ من حبّهم الدنيا . فعلى هذا يكون معنى قوله تعالى : « كَحُبِّ اللَّهِ » أي : يصرفون حبّ الواجب للّه تعالى لآلهتهم وفراعنتهم طمعا في دنياهم ولإشباع آمالهم منهم . قوله تعالى : « وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ » . لا يقاس حبّ عبدة الدنيا لأرباب الدّنيا بحبّ المؤمنين لربّهم جلّ ثناؤه فإنّ حبّهم للفراعنة عرضي يدور مدار آمالهم وهو ساتهم والحبّ لعق على لسانهم هذا أوّلا : وثانيا حبّهم لهم حبّ ماديّ وأمر خسيس ؛ وهو ارتباط مادّة بمادّة أخرى بخلاف حبّ المؤمنين للّه سبحانه فإنّه ينشأ من باطن سرّهم وحقيقة توحيدهم . توضيح ذلك : هل المحبّة في القلب انفعال يرد عليه من فقد ما يشتهيه فيتمنّى محبوبه لدفع ما يرد عليه وجبر ما انكسر منه ، فقط أو لها معنى آخر غير هذا ؟ قال الرازي في تفسيره 4 / 205 : واعلم أنّ الأمّة وإن اتّفقوا في إطلاق هذه اللّفظة ، لكنّهم اختلفوا في معناها فقال جمهور المتكلمين : إنّ المحبّة نوع من أنواع الإرادة . أقول : محبّة العبد لربّه من أسنى درجات الإيمان وهو تقلّب قلب المؤمن بين يدي الرّحمن ، يخشى ويخاف ، ويرجو ويتذلّل ؛ وجميعها أنوار متعاقبة ترد على قلب