محمد باقر الملكي الميانجي
70
مناهج البيان في تفسير القرآن
المؤمن عقيب طاعات وانقيادات وتأمّل وتفكّر في خلق اللّه ، وفي نعمائه ، سيّما النعم الجارية عليه مما لا يحصيه إلّا اللّه . وهذه المحبّة ليست كمحبّة مخلوق لمخلوق لأجل نفسه ولاحتياجه إليه بل هي إفاضة من الغنيّ إلى المحتاج وهي عين إفاضة الغنيّ أو أثرها . ويؤيّد هذا أنّ الأنداد والأضداد الّتي اتّخذوها آلهة من دون اللّه لا يمكن أن تكون مع اللّه وهم لا يجعلون اللّه سهيما وشريكا في حبّهم بل يجعلون كلّ محبتهم للأنداد ، يحبّونهم كما يجب عليهم أن يحبّونه تعالى . فبين اللّه والأنداد ؛ ومحبّة عبدة الأنداد ومحبّة المؤمنين للّه سبحانه مضادّة وتقابل ، فعلى هذا ، الّذين يتخذون أندادا من دون اللّه ويحبّونها لا يكون لهم بالنسبة إليه تعالى محبّة أصلا ومحبّتهم للأنداد ليست من سنخ محبّة المؤمنين للّه تعالى . قال تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » . [ المائدة ( 5 ) / 54 ] فيندفع ما قال في الميزان 1 / 412 : فإنّ قوله تعالى : « أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ » يدلّ على أنّ حبّه تعالى يقبل الاشتداد ، وهو في المؤمنين أشدّ منه في المتّخذين للّه أندادا . . . . ويدلّ عليه أيضا قوله تعالى : « قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ - إلى قوله - أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ » [ التوبة ( 9 ) / 25 ] ، فإنّه ظاهر في أنّ الحبّ المتعلّق باللّه والحبّ المتعلّق برسوله والحبّ المتعلق بالآباء والأبناء والأموال وغيرها جميعا من سنخ واحد لمكان قوله : « أَحَبَّ إِلَيْكُمْ » وأفعل التفضيل يقتضي اشتراك المفضّل والمفضّل عليه في أصل المعنى واختلافهما من حيث الزيادة والنقصان . أقول : استعمال أفعل لا يثبت وجود أصل الفعل في المفضّل والمفضّل عليه بل إنّما يدلّ على التفاضل في أصل الفعل فيما ثبت فيه التماثل لا في جميع موارد استعمال أفعل . فإنّ التوسّع في باب المحاورات يقتضي وجوها وضروبا من التأكيد والتوبيخ وأمثال ذلك ، فلا بدّ من التأمّل فيها وتحليلها ؛ كما يقال : الجنّة أحبّ إليّ من النّار ،