محمد باقر الملكي الميانجي

38

مناهج البيان في تفسير القرآن

بيّنة وبصيرة ومعرفة بهما على ما كانتا عليه فتسهل عنده الخطوب وتصغر لديه الأخطار . فهما حقيقتان متأصّلتان بنفسهما ولا بدّ للمؤمن من العمل بهما والمواظبة عليهما وتحصيلهما ، والوقوف عليهما والتهيّؤ بهما . ولو قلنا بترتيب الآيات وثبوت روابطها وسياقها ، فهذه الآية بعد آيات القبلة وبعد وقوع غزوة بدر لأنّها قبيل الأمر بالجهاد . وليس في هذه الآيات من تشريع الجهاد شيء ، والآية الكريمة الّتي بعدها ؛ وهي قوله تعالى : « وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . . » إنّما هي لرفع شبهات الكفّار والمنافقين الّذين لم يؤمنوا بالبعث ، القائلين بأنّ من مات فات ، وليس بعد الموت إلّا الفناء والزّوال والورود في ظلمات العدم . وبذلك يلقون الشكوك والشبهات بين المسلمين ، سيّما بين المجاهدين وبين أولياء المقتولين ليصدّوهم عن الجهاد ويزلزلوا أقدامهم وقلوبهم . فما هي إلّا حقيقة علميّة قرآنيّة من الدّعوة إلى الغيب المضروب عليه الحجاب ، آمن بها من آمن وكذّبها من كذّب ، وعامّة الناس لا يشعرون بها ، وسبيل العلم والإيمان بالبرزخ والآخرة هي محكمات الكتاب وقطعيّات السنن ، فلا يصدّنك عن الإيمان بالآخرة والبرزخ وحقائقها من لا يؤمن بها واتّبع هواه بالتأويلات الموهومة ، وإنكار ما بعد الموت وتأويل البرزخ ، والجنّة والنار وما فيها ، بالحقائق المجرّدة . فما أعجب ادّعاء الرّازي 4 / 144 ، حيث قال : « ومن الناس من حمل الصبر على الصوم . ومنهم من حمله على الجهاد ، لأنّه تعالى ذكر بعده « وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . وأيضا فلأنّه تعالى أمر بالتثبيث في الجهاد فقال : « إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا » وبالتثبيت في الصلاة . قوله تعالى : « وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ » . ( 154 ) قد ذكرنا غير مرّة أنّ الآيات القرآنيّة ليست قضاياها شخصيّة مربوطة بأشخاص ومختصّة بجماعة ، فعليه لا يصحّ أن يقال : تموت الآيات بموتهم وتذهب من عرصة الوجود بذهابهم ، بل هي بيان لحقائق متأصّلة وكليّات حقيقيّة تنطبق على الأشخاص والحوادث وتجري كما تجري الشمس والقمر وكما يجري اللّيل