محمد باقر الملكي الميانجي
35
مناهج البيان في تفسير القرآن
وبديهيّ أنّ الذكر له مراتب وكلّ أمر يحصل به التذكّر والتوجّه ورفع الغفلات والنسيان كالدعاء والثناء ، والتمجيد والتقديس والتكبير ، والصلاة والقرآن والطاعات ، والامتثال لأمره تعالى عندما أحلّ وحرّم قد أطلق عليه الذكر في الكتاب والسنّة . فبعضها ينشأ ويحصل من القلب ويصدق عليه الذكر بالحقيقة غاية الأمر أنّه ليس في مرتبة الذكر القلبي ، وبعضها يحصل به الذكر القلبي أو يشتدّ به كالدّعاء والتلاوة مع التدبّر والغور فيها والإدمان عليها ، فكلّها ذكر بالحقيقة ، أو من مراتبه النازلة ، أو مذكّر لا ينفكّ عن الذّكر الحقيقي . وحيث إنّ الأمر إرشاديّ فلا محالة لا تكون الآية الشريفة في مقام بيان الحكم ، وليس على عهدتها تعيين المشروع من غير المشروع من الأوراد والأذكار والصلوات والعبادات ، وتعيين ذلك على عهدة الفقيه من الكتاب والسنّة ، وعلى العوامّ التقليد في هذا الباب من حيث الحكم ومن حيث تعيين صورة العبادة وماهيّتها . فلا يجوز إدخال الأذكار المبتدعة بأطوار وشرائط مبتدعة في أبواب العبادات والأذكار الموظّفة . فانقدح ممّا ذكرنا أنّ امتثال الأمر بالأذكار يختلف بحسب الأمر المتوجّه إليها ، فمنها ما هو واجب بالاستقلال مثل ذكر اللّه في مقابل التغافل والتجاهل والتناسي ، والإدبار والتسامح ، ومراقبة كبريائه تعالى . فإنّ الذّكر والتذكّر بهذا المعنى من مصاديق الإيمان باللّه ، وهو من أوجب فرائض اللّه وأسناها وأشرفها ، فيجب التحفّظ بحسب القدرة والطاقة ولا يجوز الاسترسال في مثل المقام . وهكذا جميع الشؤون الراجعة إلى هذا الموقف الخطير حسب اختلاف الإيمان بحسب الأشخاص ومدارج علومهم وكمالاتهم . ودون هذا ، العبادات الواجبة بالتشريع . ودونها المندوبات الّتي لها فضل ورجحان ندب إليها الشارع وأكّد القيام بها والمداومة عليها . ولا يخفى أيضا أنّ إيجاب التحفّظ على حسب الوسع والطاقة فيما يجب من الذكر عقلا ، لا يكون مشمولا لحديث الرفع كي يرفع وجوب التحفّظ بالذّكر بالنسبة إلى النسيان ، وكذلك إيجاب الاحتياط في الموضوعات ، إذ ليس هذان